4 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حجرٌ لا يشيخ… وبيتٌ يحفظ ذاكرة الأرض

كلما مررتُ أمام بيتٍ حجري قديم في فلسطين، أشعر وكأنني أقف أمام صفحة مفتوحة من كتاب لا ينتهي. ليست مجرد جدران، بل ذاكرة كاملة تنبض بالحياة، وملامح أجدادٍ عرفوا كيف يحولون الصخر القاسي إلى دفءٍ وسكن.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 1 يوم
2 دقائق قراءة
18 مشاهدة
أحد الطرق المؤدية لحارة السعدية بأقواس العقد العتيقة

أحد الطرق المؤدية لحارة السعدية بأقواس العقد العتيقة

كلما مررتُ أمام بيتٍ حجري قديم في فلسطين، أشعر وكأنني أقف أمام صفحة مفتوحة من كتاب لا ينتهي. ليست مجرد جدران، بل ذاكرة كاملة تنبض بالحياة، وملامح أجدادٍ عرفوا كيف يحولون الصخر القاسي إلى دفءٍ وسكن.

الحجر الفلسطيني ليس مادة بناء عادية… هو ابن الجبال، خرج من حضن الأرض ليعود إليها بشكل بيتٍ، أو قوسٍ، أو درجٍ يروي حكاية عمرٍ طويل. أجدادنا لم يكونوا يملكون آلات حديثة، لكنهم امتلكوا شيئاً أعمق: صبراً يشبه صلابة هذا الحجر، وذوقاً يجعل كل قطعة توضع في مكانها وكأنها تعرف طريقها وحدها.

أحياناً أتساءل: كيف استطاعوا أن يبنوا بيوتاً تقف مئات السنين دون أن تنهار؟ الجواب بسيط لكنه مدهش… كانوا يبنون بإحساس، لا فقط بأدوات. الحجر لم يكن يُرصّ عشوائياً، بل كأنه يُختار بعناية ليكمل الحجر الذي بجانبه، مثل عائلة لا تترك فراغاً بينها.

هذا الحجر الذي نراه اليوم في بيوت القدس وبيت لحم ونابلس والخليل، ليس مجرد تراث بصري جميل، بل هو شهادة على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه. علاقة لا تقوم على الاستهلاك، بل على الانتماء. الأرض تعطيه حجراً، وهو يعيد لها بيتاً.

وكل لون في هذه الحجارة يحمل قصة: البياض الناعم يشبه الصباحات الهادئة، والرمادي يحكي عن صلابة الأيام، أما البقع الصغيرة غير المنتظمة فهي مثل ذكريات لا تُمحى.

في زمن المباني الحديثة والزجاج والحديد، ما زال الحجر الفلسطيني يقف كأنه يقول: “أنا هنا قبل كل شيء، وسأبقى بعد كل شيء”. ليس لأنه أقوى فقط، بل لأنه أصدق.

أحياناً لا نحتاج أن نقرأ التاريخ في الكتب… يكفينا أن نلمس جداراً حجرياً قديماً، ونصغي بصمت، لنسمع صوت الأجداد وهو ما زال عالقاً بين الفواصل الصغيرة في الحجر.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير