4 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين تهتف القدس وغزة والخليل ونابلس ورام الله لمصر

منذ صافرة البداية لم يكن في المقهى جمهور محايد. كانت القلوب كلها مع مصر. وحين سكنت الكرة الشباك معلنة الهدف المصري الأول، انفجرت القاعة بالتصفيق والهتاف والفرح.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 1 ساعة
5 دقائق قراءة
5 مشاهدة
غزة تحتفل بفوز منتخب مصر

غزة تحتفل بفوز منتخب مصر

حين تهتف القدس وغزة والخليل ونابلس ورام الله لمصر… تدرك أن ما يجمع العرب لم تمتلك السياسة يومًا القدرة على تبديده

في زمنٍ يكثر فيه الحديث عن الانقسام العربي، وتتصدر الخلافات عناوين الأخبار، تأتي لحظة عفوية في مقهى صغير لتنسف كثيرًا من النظريات، وتعيد التذكير بأن الشعوب غالبًا ما ترى ما لا تراه السياسة، وتشعر بما تعجز عنه الحسابات الرسمية.

كنت مساء الأمس، أنا وصديقي الدكتور قيس ابوعياش، في أحد مقاهي رام الله. كان المكان هادئًا، وعدد الحاضرين قليلًا، حتى ظننت أن الليلة ستكون عادية كسائر الليالي. لكن مع اقتراب الساعة التاسعة مساءً بدأ المشهد يتغير بسرعة. العائلات تتوافد، والشباب يحتلون المقاعد، والأطفال يركضون بين الطاولات، حتى لم يعد هناك مكان شاغر.

سألت النادل عن سر هذا المشهد، فأجاب ببساطة: “اليوم مباراة مصر وأستراليا.”

منذ صافرة البداية لم يكن في المقهى جمهور محايد. كانت القلوب كلها مع مصر. ومع كل هجمة كان الصمت يخيم، ومع كل فرصة يعلو الأمل، وحين سكنت الكرة الشباك معلنة الهدف المصري الأول، انفجرت القاعة بالتصفيق والهتاف والفرح، وكأن منتخبًا محليًا هو من سجل.

ولأنني أردت أن أعرف إن كان ما أراه حالة استثنائية، اتصلت بأصدقاء في مدن فلسطينية عدة من القدس المحتلة، وشمال الضفة إلى جنوبها، ومن غزة المحاصرة إلى مدن الضفة الغربية، فجاءت الإجابات متشابهة بصورة لافتة: المقاهي مكتظة، والشوارع أكثر حيوية، والناس يتابعون المباراة بروح المشجع الذي يرى في فوز مصر شيئًا من فرحه الشخصي.

هنا توقفت عن متابعة المباراة، وبدأت أتابع المشهد نفسه.

فكرة الأمة العربية كثيرًا ما تُناقش في المؤتمرات، وتُختزل في البيانات والخطب، لكنها في الحقيقة تظهر بصورة أكثر صدقًا في مثل هذه اللحظات العفوية، حين لا يطلب أحد من الناس أن يهتفوا، ولا يدعوهم أحد إلى التجمع، ولا تحركهم سوى مشاعرهم.

الرياضة، في كثير من الأحيان، لا تكشف فقط عن مستوى الفرق، بل تكشف أيضًا عن مستوى العلاقات بين الشعوب. وحين تختار جماهير فلسطينية، بكل تنوعها، أن تمنح مشاعرها لمنتخب عربي، فإن ذلك لا يمكن تفسيره فقط بحب كرة القدم، بل بوجود رصيد عاطفي وتاريخي وثقافي ما زال حيًا في الوجدان.

في رأيي، لم تكن الهتافات لمصر بسبب مباراة واحدة، وإنما كانت تعبيرًا عن مكانة تراكمت عبر عقود طويلة. فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل دولة أسهمت في تشكيل الوعي العربي الحديث؛ في التعليم، والثقافة، والفن، والإعلام، والعمل السياسي. ولهذا بقي حضورها في الوجدان الشعبي أوسع من حدودها الجغرافية.

صحيح أن المنطقة مرت بعواصف كثيرة، وأن العلاقات العربية شهدت صعودًا وهبوطًا، لكن الشعوب كثيرًا ما تثبت أنها أكثر وفاءً لذاكرتها المشتركة من السياسة نفسها. فالسياسة قد تختلف من مرحلة إلى أخرى، أما المشاعر الشعبية فتبقى أكثر ثباتًا، لأنها تنبع من التاريخ والثقافة والهوية.

ولعل أكثر ما أثار انتباهي هو وجود الأطفال بين المشجعين. هؤلاء لم يعاصروا كثيرًا من المحطات التاريخية التي صنعت صورة مصر في الوجدان العربي، ومع ذلك كانوا يهتفون لها بعفوية. وهذا يعني أن الانتماء لا ينتقل عبر المناهج الدراسية فقط، بل عبر الأسرة، والبيئة، والذاكرة الجماعية التي تتوارثها الأجيال.

لا أدعي أن مباراة كرة قدم تستطيع أن تختصر واقع الأمة العربية بكل تعقيداته، لكنني أؤمن بأنها تستطيع أن تكشف جانبًا مهمًا منه. ففي لحظات الفرح الصادق تسقط الأقنعة، وتظهر المشاعر كما هي، بعيدًا عن الحسابات والمصالح.

خرجت من ذلك المقهى وأنا أكثر يقينًا بأن الشعوب العربية ما زالت تمتلك قدرة مدهشة على الاجتماع حول ما يوحدها. وأن الأمل بوحدة الوجدان العربي ليس حلمًا رومانسيًا كما يصوره البعض، بل حقيقة يمكن رؤيتها في مقهى، أو شارع، أو ساحة، حين يهتف الناس من تلقاء أنفسهم لنجاح عربي يشعرون أنه نجاح لهم جميعًا.

لعل السياسة تستطيع أن ترسم الحدود، لكنها لا تستطيع أن ترسم حدود القلوب. وما رأيته في رام الله، وما سمعته من غزة ومدن فلسطين الأخرى، أكد لي أن هناك خيطًا عربيًا متينًا لا يزال يربط الشعوب بعضها ببعض. قد يضعف أحيانًا، لكنه لا ينقطع.

ولهذا، فإنني لم أرَ في تلك الليلة مباراة بين مصر وأستراليا فحسب، بل رأيت مباراة بين اليأس والأمل… وكان الأمل هو الفائز.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير