1 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مجلس السلام: حصانة فوق القانون.. وغزة تحت الوصاية

ما كشفته صحيفة The Guardian عن مسودة قرار تتعلق بما يسمى مجلس السلام المكلف بإدارة غزة يدخل في هذا الباب الخطير.

بقلم: محمد مصطفى شاهين
منذ 3 ساعة
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
مجلس السلام

مجلس السلام

في بعض اللحظات التاريخية لا تأتي الأخطار على شكل دبابات أو أسراب طائرات وإنما تصل في صورة مسودات قانونية تبدو في ظاهرها ترتيبات إدارية بينما تخفي في جوهرها إعادة هندسة الواقع السياسي والقانوني لشعب بأكمله. وما كشفته صحيفة The Guardian عن مسودة قرار تتعلق بما يسمى مجلس السلام المكلف بإدارة غزة يدخل في هذا الباب الخطير.

فالمسألة هنا ليست مجرد إنشاء هيئة انتقالية لإدارة القطاع بعد الحرب وإنما نحن أمام محاولة لتأسيس سلطة فوق القانون تمنح نفسها حصانة شاملة من أي مساءلة وتضع يدها على الممتلكات العامة دون مقابل مادي وهذه ليست إدارة انتقالية بالمعنى المعروف في القانون الدولي بل صياغة لوضع استثنائي يقترب من مفهوم الوصاية المفروضة على شعب منكوب.

التاريخ يعلمنا أن أول ما تفعله القوى الساعية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لأي إقليم هو تفكيك منظومته القانونية وتجريد أهله من حق الرقابة والمحاسبة، والحصانة المطلقة التي تتحدث عنها المسودة لا تشمل أعضاء المجلس وإدارته فقط بل تمتد إلى التكنوقراط والقوات الدولية والمقاولين الأجانب وهذا يعني عمليا إقامة منطقة محصنة ضد القانون الفلسطيني وخارج ولاية القضاء الوطني.

ومن الناحية القانونية فإن هذه الصيغة تصطدم مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي فالمادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل إنسان في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه من أي اعتداء على حقوقه الأساسية ، كما أن المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية توجب على الدول توفير وسائل انتصاف فعالة لأي انتهاك للحقوق.

أما منح حصانة مطلقة تمنع أي ملاحقة قضائية فإنه يتعارض أيضا مع مبدأ سيادة القانون الذي يعد أحد المبادئ المستقرة في ميثاق الأمم المتحدة وفي الفقه الدستوري الحديث ،فلا توجد سلطة مدنية أو عسكرية فوق القانون ولا يجوز إنشاء كيانات تتمتع بإعفاء شامل من المسؤولية عن أفعالها.

الأخطر من ذلك هو ما يتعلق بالاستحواذ على الممتلكات العامة دون مقابل، فهذه الصيغة تثير شبهة المصادرة السياسية المقنعة، إذ إن المادة السابعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص صراحة على أنه لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا، كما أن المادة السادسة والأربعين من لوائح لاهاي لعام 1907 تؤكد وجوب احترام الملكية الخاصة وتحظر مصادرتها.

وفي السياق الفلسطيني فإن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 واضح في هذا المجال فالمادة الحادية والعشرون تنص على أن الملكية الخاصة مصونة ولا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل ووفقا للقانون، وإذا كانت الملكية الخاصة تتمتع بهذه الحماية فإن الممتلكات العامة التي تعود للشعب الفلسطيني أولى بالحماية ولا يجوز الاستيلاء عليها بقرار إداري صادر عن هيئة غير منتخبة أو مفروضة من الخارج.

إن ما يثير القلق ليس فقط النصوص القانونية الواردة في المسودة بل الفلسفة السياسية الكامنة وراءها فحين تمنح هيئة ما نفسها حصانة كاملة وحق التصرف بالأرض والممتلكات دون رقابة فإنها تتحول من سلطة إدارة مؤقتة إلى سلطة تأسيسية تسعى إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والسياسية للقطاع.

وهنا يبرز سؤال كبير من الذي يملك حق التصرف بأصول غزة وأراضيها ومؤسساتها العامة هل هي هيئة انتقالية غير منتخبة أم الشعب الفلسطيني عبر مؤسساته الشرعية ،إن أي محاولة لنقل ملكية الأصول العامة أو إعادة توزيعها خارج إطار الإرادة الوطنية تشكل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام تغيير البنية الديموغرافية والاقتصادية للقطاع تحت غطاء إعادة الإعمار.

لقد عرف العالم نماذج كثيرة لسلطات انتقالية جاءت بشعار السلام ثم انتهت إلى إنتاج أنظمة وصاية طويلة الأمد. ولذلك فإن القضية ليست قضية إجراءات إدارية، وإنما قضية سيادة وطنية وحق شعب في تقرير مصيره.

إن غزة التي دفعت أثمانا باهظة من الدم والدمار، لا يمكن أن تتحول إلى مختبر لتجارب سياسية أو قانونية تنتج كيانا فوق القانون وتحت الحماية الدولية. فالحصانة المطلقة تعني غياب المساءلة والاستحواذ على الممتلكات يعني تجريد الشعب من أحد أهم عناصر سيادته.

وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذه المسودة أنها لا تعيد بناء غزة بل تعيد تعريف من يملك غزة ومن يحكمها ومن يحاسب حكامها وحين يصبح القانون أداة لنزع الحقوق بدلا من حمايتها فإننا نكون أمام مشروع لإنتاج واقع جديد لا يقوم على السلام وإنما على شرعنة الوصاية ومصادرة السيادة تحت ركام الحرب.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

الكلمات المفتاحية:#مجلس السلام#غزة#الجارديان

محمد مصطفى شاهين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

مجلس السلام: حصانة فوق القانون.. وغزة تحت الوصاية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°