في الضفة الغربية، لم يعد السؤال: كيف نصمد؟ بل أصبح: إلى أين يقودنا هذا الصمود؟
منذ سنوات طويلة، أصبح الصمود هو المفردة الأكثر تداولًا في الخطاب الفلسطيني. نرددها في السياسة، ونستحضرها في الاقتصاد، ونبني عليها خطابنا الوطني. لكن ما يثير قلقي اليوم هو أن الصمود، على أهميته، تحول تدريجيًا من وسيلة لحماية المشروع الوطني إلى غاية بحد ذاته، وكأن مجرد البقاء أصبح إنجازًا يغنينا عن التفكير في المستقبل.
لا أحد يستطيع إنكار قدرة الفلسطيني على التكيف مع ظروف استثنائية. فمن الحواجز إلى الأزمات الاقتصادية، ومن التوسع الاستيطاني إلى حالة عدم اليقين السياسي، استطاع المجتمع أن يبتكر وسائل للحياة، وأن يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا النوع من التكيف يحمل مفارقة خطيرة؛ فهو يمنح المجتمع قدرة على الاحتمال، لكنه قد يؤجل مواجهة الأسئلة الكبرى.
المشكلة ليست في الصمود، بل في غياب الرؤية التي تمنحه معنى واتجاهًا. فالشعوب لا تصمد إلى الأبد من أجل الصمود نفسه، وإنما تصمد لأنها تعرف ما الذي تريد الوصول إليه. أما عندما تغيب الوجهة، فإن الصمود يتحول إلى إدارة يومية للأزمات، وإلى محاولة مستمرة لمنع الانهيار، دون القدرة على صناعة التغيير.
لا أكتب هذا من خلف مكتب أو من خلال أرقام وتقارير، بل مما رأيته بعيني. خلال الأسابيع الماضية زرت عددًا من مدن الضفة الغربية، وكان أكثر ما لفت انتباهي ليس فقط حركة الحياة اليومية، بل المشهد الاقتصادي الذي يعكس حالة ضغط متراكمة. في مدن مثل نابلس والخليل وبيت لحم، وكذلك في رام الله، يمكن ملاحظة إغلاق عدد من المحلات التجارية والمنشآت الاقتصادية، وحتى بعض المولات والمشاريع التي واجهت صعوبات كبيرة في الاستمرار أو تقلصت أنشطتها بشكل واضح.
ومن الأمثلة التي يتم تداولها في هذا السياق الحديث عن “لاكاسا مول” في رام الله، إلى جانب العديد من المشاريع التجارية الأخرى في مختلف المدن، وهو ما يُستخدم أحيانًا كدلالة على حجم التحديات التي تواجه البيئة الاستثمارية والتجارية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة.
هذا المشهد لا يمكن فصله عن الواقع العام. فإغلاق المحلات والمشاريع في الضفة الغربية ليس حالة فردية معزولة، بل جزء من صورة أوسع تتكرر في أكثر من مدينة. كل محل يُغلق في نابلس أو الخليل أو رام الله لا يعني فقط خسارة لصاحبه، بل خسارة لدورة اقتصادية كاملة، وفرصة عمل، وحكاية كفاح لم تكتمل.
تتداخل عدة عوامل في هذا الواقع: تراجع القوة الشرائية، ارتفاع تكاليف التشغيل، القيود على الحركة والتجارة، وعدم استقرار البيئة الاقتصادية. وفي ظل هذا التشابك، تصبح قدرة المشاريع الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار محدودة، رغم أنها تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
في هذا السياق، يشعر كثير من أصحاب المشاريع بأنهم يواجهون تحدياتهم بشكل فردي، في بيئة تزداد فيها الالتزامات المالية والإدارية، مقابل محدودية واضحة في أدوات الدعم أو التخفيف أو خلق بيئة محفزة للاستمرار. وهكذا يتحول البقاء في السوق إلى تحدٍّ يومي بحد ذاته، بدل أن يكون التطور والنمو هو المسار الطبيعي.
ومن هنا، يقع على عاتق السلطة مسؤولية أكبر من مجرد الحديث عن دعم الصمود أو رفع الشعارات العامة المرتبطة به. المطلوب هو الانتقال من خطاب “الصمود” إلى سياسات عملية، تقوم على وضع برامج وخطط اقتصادية وتنموية قادرة على مواجهة هذا التراجع المتسارع، ومنع الانهيار التدريجي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فدعم الناس لا يكون فقط بتخفيف الخطاب، بل بخلق بيئة تجعل استمرارهم في العمل ممكنًا، وتخفف عنهم الأعباء بدل أن تزيدها.
ولعل هذا الواقع يعكس أيضًا علاقة تحتاج إلى مراجعة بين المؤسسات الرسمية والاقتصاد المحلي، حيث تبدو الأولوية في كثير من الأحيان موجهة نحو إدارة الالتزامات المالية، في حين تتراجع السياسات الداعمة للمشاريع الإنتاجية الصغيرة، رغم أنها تمثل عنصرًا أساسيًا في حماية المجتمع من البطالة والانكماش.
إن المؤسسات الصغيرة والمبادرات المحلية، التي يفترض أن تكون العمود الفقري لأي اقتصاد قادر على الصمود، تجد نفسها في مواجهة يومية قاسية. وبين القيود وتراجع الطلب وغياب الحوافز، يصبح الصمود الفردي بديلاً عن منظومة دعم حقيقية.
الأخطر من ذلك أن الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبح ثقافة أثرت في مؤسسات المجتمع وفي ثقة المواطن بكل ما هو عام. وعندما تتراجع الثقة، يصبح من الصعب إقناع الناس بأي مشروع، حتى وإن كان مشروعًا واقعيًا وقابلًا للتنفيذ.
لا أعتقد أن الفلسطينيين يعانون من نقص في القدرة على الصمود، بل ربما يمتلكون واحدة من أكثر تجارب الصمود استثنائية في العالم. لكن الشعوب لا تُقاس فقط بقدرتها على الاحتمال، وإنما أيضًا بقدرتها على التخطيط والإبداع وصناعة المستقبل. وهنا تكمن الفجوة الحقيقية.
الرؤية ليست شعارًا سياسيًا، بل هي اتفاق مجتمعي على الأولويات: كيف نبني اقتصادًا أكثر استقلالًا؟ كيف نستثمر في الإنسان بدل استنزافه؟ كيف نحول التعليم من وسيلة للهجرة إلى أداة للتنمية؟ وكيف نستعيد ثقة المواطن بأن جهده اليوم سيصنع غدًا أفضل؟
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الصمود. الصمود الحقيقي ليس أن نبقى في مكاننا رغم العواصف، بل أن نستطيع التقدم خطوة إلى الأمام رغمها. فلا يمكن أن نطلب من المواطن أن يصمد بينما تُترك المؤسسات الصغيرة وحدها تواجه مصيرها، ولا يمكن الحديث عن اقتصاد مقاوم في غياب بيئة تشجع الإنتاج وتحمي المستثمر المحلي وتمنح الشباب سببًا للبقاء.
فالضفة الغربية لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تمتدح صمود الناس، بقدر ما تحتاج إلى سياسات تجعل هذا الصمود منتجًا، وتحوّل الإرادة الشعبية إلى قوة اقتصادية وتنموية. فحين تمتلك الشعوب رؤية، يصبح الصمود طريقًا إلى النهوض، لا مجرد وسيلة لتأجيل الانهيار.
وهذا هو التحدي الحقيقي اليوم: ليس كيف نصمد… بل كيف نجعل من الصمود بدايةً لمشروع وطني قادر على الحياة.








