7 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لا حصانة للفاسدين

لقد دفع العراق، على مدى سنوات طويلة، ثمن الفساد من موارده وثرواته وفرص تنميته.

بقلم: مشتاق الربيعي
منذ 1 يوم
4 دقائق قراءة
13 مشاهدة
مكافحة الفساد في العراق

مكافحة الفساد في العراق

لقد أثارت الأحداث الأخيرة، وما رافق عملية صولة الفجر من اعتقالات، تساؤلات واسعة حول حجم منظومة الفساد في العراق ومدى تغلغلها في بعض مؤسسات الدولة. وأصبح السؤال الذي يتردد بمخيلتي وعلى ألسنة المواطنين ايضا: كيف يمكن لبعض أعضاء مجلس النواب، وهم ممثلو الشعب والمؤتمنون على حماية المال العام وتشريع القوانين والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، أن تلاحقهم اتهامات تتعلق بالاعتداء على المال العام أو استغلال المنصب لتحقيق منافع شخصية؟

إن النائب في الأنظمة الديمقراطية يمثل ضمير الأمة، ويشرّع القوانين، ويراقب أداء الحكومة، ويدافع عن المال العام، ويعمل على خدمة المواطنين، لذلك فإن أي تجاوز يصدر من مسؤول أو نائب لا ينعكس على شخصه فحسب، بل يهز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويضعف هيبة القانون.

لقد دفع العراق، على مدى سنوات طويلة، ثمن الفساد من موارده وثرواته وفرص تنميته. فالأموال التي كان ينبغي أن تُوجَّه إلى بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات، استنزفتها ممارسات الفساد وسوء الإدارة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال.

إن ما تشهده الساحة اليوم، إذا انتهى إلى ثبوت المسؤوليات أمام القضاء، يؤكد أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون موسمية أو انتقائية، بل يجب أن تتحول إلى نهج دائم تتكامل فيه جهود جميع مؤسسات الدولة، لأن الفساد لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدد العدالة والاستقرار وثقة المواطن بدولته.

ولعل المدخل الحقيقي لإنهاء حقبة الفساد يتمثل في ترسيخ مبدأ سيادة القانون، وأن يخضع كل من تثبت مسؤوليته للمساءلة والمحاسبة، مهما كان موقعه أو منصبه، وحتى إن كان زعيمًا سياسيًا أو صاحب نفوذ، لأن القاعدة القانونية عامة ومجردة، وتُطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء. كما أصبح تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟» على جميع من يتولى مسؤولية عامة واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، لما يمثله من وسيلة لتعزيز الشفافية، وحماية المال العام، وترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة.

إن محاربة الفساد ليست مسؤولية القضاء أو الأجهزة الرقابية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون السلطات كافة، ودعم المجتمع، وعدم توفير أي غطاء سياسي أو حزبي أو اجتماعي للفاسدين.

كما أن هذا الإنجاز في مكافحة الفساد لا يكتمل إلا باستمرار تصبح ا لمسار الإصلاح السياسي، ومراجعة التشريعات التي تعزز النزاهة والتمثيل العادل، وفي مقدمتها قانون الانتخابات، بما ينسجم مع أحكام الدستور، ويعزز ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية، ويتيح للمواطنين التعبير عن إرادتهم عبر الآليات الدستورية، ومنها الاستفتاء الشعبي إذا كان ذلك متاحًا وفقًا للدستور والقانون من اجل ترسيخ الديمقراطية بعراقنا الحبيب .

وبمسك الختام، نبارك الخطوات الجريئة في ملاحقة ملفات الفساد، ونثمن جهود السيد رئيس مجلس الوزراء، والقضاء العراقي العادل، الذي كان ولا يزال صمام أمان العراق، في ترسيخ سيادة القانون وحماية المال العام. ونتطلع إلى استمرار هذه الحملة، وأن تشمل جميع من تثبت مسؤوليته دون استثناء، لأن العراق يستحق دولة قوية وعادلة يسود فيها القانون، ويُصان فيها المال العام، وتترسخ فيها العدالة الشاملة .

فالفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يهدد أمن الدولة واستقرارها ويقوض فرص التنمية والازدهار. ولذلك فإن الانتصار الحقيقي لا يتحقق إلا باجتثاث الفساد وتجفيف منابعه، ومحاسبة كل من يعتدي على المال العام، دون تمييز أو محاباة، لتبقى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وختامًا، يبقى الأمل معقودًا على وعي العراقيين وإرادتهم في بناء دولة المؤسسات المواطنة  والعدالة، فكما قال الشاعر:

إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرُ.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

مشتاق الربيعي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير