من منا لا يمتلك حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي؟ لقد أصبح عالم السوشيال ميديا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي وسيلة للتواصل وتبادل الأفكار والآراء ونقل الأخبار ومتابعة مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية.
كما أتاحت للناس فرصة التعبير عن آرائهم بحرية والتواصل مع الآخرين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم.
وفي هذا العالم الواسع، نلتقي بأشخاص نتوافق معهم فكرياً وثقافياً، ونجد آخرين نختلف معهم في الرأي ووجهات النظر، وهذا أمر طبيعي وصحي، بل إنه يمثل حالة من التنوع الفكري التي تثري المجتمعات وتدفعها نحو التطور. فالاختلاف لا يعني الخصومة أو العداء، وإنما يفتح المجال لتبادل الأفكار والاستفادة من تجارب الآخرين.
لكن ما يثير الاستغراب حقاً هو ما نشهده أحياناً من انحدار في مستوى الحوار والنقاش، إذ يلجأ البعض إلى استخدام الكلمات الجارحة والشتائم وإطلاق الاتهامات التي لا تستند إلى دليل أو حقيقة، لمجرد وجود رأي مخالف. والأمر الأكثر خطورة أن بعض النقاشات تتجاوز حدود الإساءة اللفظية لتصل إلى التهديد والوعيد ومحاولات الترهيب والتشهير، وكأن الاختلاف في الرأي أصبح سبباً للعداوة والصراع، لا فرصة للحوار والتفاهم.
إن الحوار الراقي لا يقاس بحدة الكلمات ولا بعلو الأصوات، بل بقدرة الإنسان على طرح أفكاره بأسلوب محترم ومتزن، والاستماع إلى الرأي الآخر مهما كان مخالفاً لقناعاته. فالمجتمعات الواعية تتقدم بالحوار البناء وقوة الحجة والمنطق، لا بالإساءة والتجريح أو فرض الآراء بالقوة.
ولا أعلم لماذا ينظر البعض إلى القضايا بمنظارٍ أعور لا يرى إلا ما ينسجم مع أفكاره وقناعاته، ويتجاهل الآراء الأخرى وحق أصحابها في التعبير عنها. فالحقيقة ليست حكراً على أحد، وكل إنسان معرض للصواب والخطأ، ومن الحكمة أن نتقبل الرأي المخالف بروح منفتحة بعيداً عن التعصب والانفعال.
ومن المؤسف أن تتحول بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتناحر وتصفية الحسابات الشخصية بدلاً من أن تكون فضاءات للحوار وتبادل المعرفة. فالكلمة الجارحة قد تترك أثراً مؤلماً في النفوس، بينما الكلمة الطيبة قادرة على بناء جسور من الاحترام والتفاهم بين الناس.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر، ونشر قيم التسامح والوعي والمسؤولية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فالأخلاق هي المعيار الحقيقي الذي يعكس ثقافة الإنسان ووعيه، وهي التي تمنحه الاحترام والتقدير بين الناس.
وفي النهاية، تبقى مواقع التواصل الاجتماعي نعمة كبيرة إذا أُحسن استخدامها، وأداة فعالة لنشر المعرفة والوعي وبناء جسور التواصل بين أفراد المجتمع. أما إذا استُخدمت للإساءة والتهديد ونشر الكراهية، فإنها تفقد رسالتها الحقيقية وتتحول إلى وسيلة لزيادة الانقسام والاحتقان. ولذلك تبقى الكلمة أمانة، وما نكتبه اليوم سيبقى شاهداً على أخلاقنا ووعينا غداً









