25 يونيو 2026|القاهرة 28 °

محمد مصطفى شاهين يكتب: حراك 26 يونيو..حين تتحول معركة الوعي إلى ساحة اشتباك جديدة

في الحروب الكبرى لا تكون الجبهات كلها مرئية فكما تتحرك الطائرات والدبابات على الأرض تتحرك غرف التخطيط السياسي والاستخباري في العقول والوجدان، وهذه الحقيقة تكشف أحد أخطر أوجه الحرب الطويلة على غزة حيث لم يعد الهدف محصوراً في تدمير الحجر وإضعاف القدرة المادية للمجتمع الفلسطيني بل امتد إلى محاولة إعادة تشكيل خارطة الداخل الفلسطيني وإعادة هندسة أولوياته وصراعاته.

بقلم: محمد مصطفى شاهين
منذ 4 ساعة
4 دقائق قراءة
9 مشاهدة
محمد مصطفى شاهين يكتب: حراك 26 يونيو..حين تتحول معركة الوعي إلى ساحة اشتباك جديدة

محمد مصطفى شاهين يكتب: حراك 26 يونيو..حين تتحول معركة الوعي إلى ساحة اشتباك جديدة

في الحروب الكبرى لا تكون الجبهات كلها مرئية فكما تتحرك الطائرات والدبابات على الأرض تتحرك غرف التخطيط السياسي والاستخباري في العقول والوجدان، وهذه الحقيقة تكشف أحد أخطر أوجه الحرب الطويلة على غزة حيث لم يعد الهدف محصوراً في تدمير الحجر وإضعاف القدرة المادية للمجتمع الفلسطيني بل امتد إلى محاولة إعادة تشكيل خارطة الداخل الفلسطيني وإعادة هندسة أولوياته وصراعاته.

وفي هذا السياق تأتي الدعوات إلى حراك 26 يونيو وسط حالة من الجدل الفلسطيني بين من يراه تعبيراً عن الغضب الإنساني الناتج عن المأساة المتفاقمة وبين من يحذر من استغلال هذه المعاناة وتحويلها إلى أداة تخدم مشاريع خارجية تستهدف وحدة الجبهة الداخلية، وقد صدرت خلال الأيام الماضية مواقف رافضة للمشاركة في الحراك من عدد من العائلات والوجهاء الذين أعلنوا رفضهم لأي تحركات يمكن أن تفضي إلى الفتنة الداخلية أو الاقتتال المجتمعي في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة.

إن القراءة السياسية العميقة لا تبدأ من الشعارات المرفوعة بل من السؤال الأهم وهو من المستفيد من نقل بوصلة الصراع من مواجهة الاحتلال إلى صراع داخلي فلسطيني فلسطيني، فالاحتلال الإسرائيلي منذ عقود اعتمد سياسة إدارة التناقضات الداخلية الفلسطينية وتغذية الانقسامات كلما سنحت الفرصة، وفي الحرب الحالية ظهرت بصورة واضحة نقاشات إسرائيلية حول ما يسمى اليوم التالي في غزة والبحث عن ترتيبات سياسية وإدارية جديدة للقطاع بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للأمن والسيطرة ومنع تشكل مشروع وطني فلسطيني مستقل.

ولذلك فإن أي حراك داخلي يجب أن يُقرأ ضمن ميزان دقيق يميز بين الحق الطبيعي للشعب في التعبير عن آلامه ومطالبه وبين خطر اختطاف المعاناة الإنسانية وتوجيهها في مسارات تخدم أهداف الاحتلال بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لقد علمتنا التجارب التاريخية أن القوى الاستعمارية لم تكن تعتمد فقط على القوة العسكرية بل كانت تبحث دائماً عن بيئات مضطربة وأدوات محلية وصراعات جانبية تجعل المجتمع المنهك يخوض معاركه مع نفسه بدلاً من مواجهة مصدر معاناته، وما يزيد من خطورة المرحلة أن أصواتاً متطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية لم تخفِ رؤيتها تجاه غزة وأهلها، فقد صدرت تصريحات من وزراء في اليمين الإسرائيلي المتطرف دعت إلى سياسات تقوم على التهجير وإعادة السيطرة على القطاع والتعامل معه باعتباره جزءاً من المشروع الإسرائيلي وليس أرضاً لشعب له حقوقه الوطنية.

ومن المفارقة السياسية أن الذين يرفعون اليوم شعارات تفكيك الواقع الفلسطيني في غزة هم أنفسهم الذين يرفضون أصلاً أي وجود وطني فلسطيني مستقل، وهنا تكمن أهمية عدم الوقوع في فخ إعادة إنتاج الأهداف التي عجزت القوة العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقها بالقتل والتدمير .
وهذا لا يعني تجاهل حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة من نزوح وجوع ومرض وانهيار للخدمات، بل إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تضطلع الجهات الإدارية القائمة بواجباتها تجاه المواطنين وأن تُفتح الأبواب أمام أي صيغ وطنية جامعة وقادرة على إدارة المرحلة وتخفيف معاناة الناس، كما أن المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية يتحملون مسؤوليات قانونية وأخلاقية في حماية المدنيين ومنع حالة الفراغ والفوضى التي قد تتحول إلى بوابة لمزيد من الانهيار.

إن النقد الداخلي ضرورة وطنية والاختلاف السياسي حق مشروع، لكن الفارق كبير بين نقد يهدف إلى الإصلاح وتقوية المجتمع وبين صراع يُدار في توقيت استثنائي قد يمنح الاحتلال فرصة لتحقيق ما لم يحققه بالقصف والحصار.

إن معركة غزة اليوم ليست معركة حدود فقط بل معركة رواية ووعي وإرادة، والاحتلال الذي فشل في كسر صمود الفلسطينيين بالقوة يسعى إلى تحقيق اختراقات داخل النسيج الاجتماعي والسياسي من خلال دعمه المعلن لهذا الحراك المشبوه.
ومن هنا فإن الحكمة الوطنية تقتضي أن يبقى الخلاف تحت سقف المصلحة الفلسطينية العليا وأن يُمنع تحويل آلام الناس إلى وقود لمعركة داخلية، فالأوطان التي تواجه مشاريع الاقتلاع لا تحتمل رفاهية الاحتراب الداخلي، والوعي في زمن الحروب يصبح خط الدفاع الأخير عندما تتساقط بقية الخطوط.

محمد مصطفى شاهين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

محمد مصطفى شاهين يكتب: حراك 26 يونيو..حين تتحول معركة الوعي إلى ساحة اشتباك جديدة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°