23 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مشتاق الربيعي يكتب: أخلاق على المحك

مع كل أسف، بدأنا في السنوات الأخيرة نشهد تراجعاً ملحوظاً في منظومة القيم والأخلاق التي كانت تشكل أساس العلاقات الإنسانية والاجتماعية مما جعلنا في أزمة أخلاق على المحك ، وهذا الأمر لا يقتصر على فئة معينة أو بيئة محددة، بل أصبح ظاهرة يمكن ملاحظتها في العديد من مفاصل الحياة اليومية، الأمر الذي يدعو إلى القلق والتأمل في الأسباب والنتائج.

بقلم: مشتاق الربيعي
منذ 1 يوم
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
مشتاق الربيعي يكتب: أخلاق على المحك

مشتاق الربيعي يكتب: أخلاق على المحك

مع كل أسف، بدأنا في السنوات الأخيرة نشهد تراجعاً ملحوظاً في منظومة القيم والأخلاق التي كانت تشكل أساس العلاقات الإنسانية والاجتماعية مما جعلنا في أزمة أخلاق على المحك ، وهذا الأمر لا يقتصر على فئة معينة أو بيئة محددة، بل أصبح ظاهرة يمكن ملاحظتها في العديد من مفاصل الحياة اليومية، الأمر الذي يدعو إلى القلق والتأمل في الأسباب والنتائج.

فالأخلاق ليست مجرد كلمات جميلة نتداولها في أحاديثنا، ولا شعارات نرفعها في المناسبات، بل هي سلوك وممارسة ومواقف تكشف حقيقة الإنسان عند الشدائد قبل الرخاء، وعند الخلاف قبل الاتفاق. وقمة الخلق أن يستحي الإنسان من نفسه قبل أن يستحي من الآخرين، وأن يكون ضميره حياً يرشده إلى الصواب ويمنعه من الانزلاق نحو الإساءة أو الظلم أو التجاوز على حقوق الآخرين.


لقد أصبحنا نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعدد فيه وسائل التواصل والتعبير، وكان من المفترض أن تسهم هذه الوسائل في تعزيز الحوار والتقارب بين الناس، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات للصراعات الشخصية وتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات. فبدلاً من أن تكون الكلمة جسراً للتفاهم، أصبحت لدى البعض أداة للهجوم والتجريح والإساءة.
ومن أكثر الأماكن التي تتجلى فيها هذه الظاهرة منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها. فهناك نرى بوضوح كيف يمكن أن يتحول نقاش بسيط حول قضية فكرية أو اجتماعية أو سياسية إلى معركة كلامية يفقد فيها البعض أبسط قواعد الاحترام. وما يثير الاستغراب أن كثيراً ممن يظهرون بمظهر الحكمة والاتزان واللباقة سرعان ما تتبدل صورتهم عند أول خلاف، فتخرج منهم كلمات لم يكن أحد يتوقع سماعها منهم.
والأمر الأكثر إيلاماً أن البعض أصبح يعتقد أن الانتصار في الحوار يتحقق عبر الإهانة أو السخرية أو التقليل من شأن الآخرين، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يزداد رفعة إلا بأخلاقه، ولا يكسب احترام الناس إلا بحسن تعامله. فالرأي يمكن أن يُرد عليه برأي، والفكرة يمكن أن تُناقش بفكرة، أما الإساءة فلا تنتج إلا مزيداً من الإساءة، ولا تترك خلفها سوى الأحقاد والضغائن.
إن الاختلاف بين البشر أمر طبيعي بل وضروري، لأن تنوع الآراء والأفكار يسهم في تطور المجتمعات وتقدمها. لكن المشكلة لا تكمن في الاختلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي ندير بها هذا الاختلاف. فهناك من يختلف معك ويحافظ على احترامك، وهناك من يرى في أي رأي مخالف إعلاناً للحرب، فيلجأ إلى التجريح والتخوين والتشويه وكأن الرأي المخالف جريمة تستحق العقاب.
وفي خضم هذه المشاهد المتكررة، أشعر أحياناً أننا نعيش وسط حفلة تنكرية كبيرة، يرتدي فيها الكثيرون أقنعة براقة تخفي خلفها شخصيات مختلفة تماماً. نرى الابتسامات والمجاملات وكلمات الإعجاب والثناء، لكن ما إن يقع خلاف أو تتعارض المصالح حتى تبدأ الأقنعة بالتساقط، ويظهر ما كان مخفياً خلفها من تعصب أو كراهية أو نزعة للانتقام. عندها فقط نكتشف أن الأخلاق الحقيقية لا تُقاس بما يقوله الإنسان في أوقات الصفاء، بل بما يفعله في لحظات الغضب والخلاف.
ونقولها بكل صراحة وبحزن عميق، لقد أصبح الشخص المهذب في هذا الزمن عملة نادرة، لا لأن الأخلاق قد اندثرت تماماً، بل لأن الضجيج الذي يصنعه أصحاب الأصوات العالية والإساءات المتكررة بات يطغى على حضور أصحاب الخلق الرفيع. فالشخص المهذب يحترم الآخرين، ويتجنب التجريح، ويختلف بأدب، ويحافظ على كرامته قبل أن يحافظ على كرامة غيره. لذلك إذا صادفت في حياتك إنساناً يتحلى بالأخلاق والصدق والاحترام، فتمسك به قدر المستطاع، لأن وجود أمثال هؤلاء أصبح ثروة إنسانية حقيقية في زمن كثرت فيه المصالح وتبدلت فيه المواقف بسرعة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن انتشار هذا السلوك يترك آثاراً سلبية عميقة على الأجيال الجديدة، التي تراقب ما يجري وتتأثر به بشكل مباشر. فعندما يرى الشباب أن الشتائم تحصد التفاعل أكثر من الكلمة الطيبة، وأن الإساءة تجذب الانتباه أكثر من الحوار الراقي، فإن ذلك قد يدفع بعضهم إلى تقليد هذه السلوكيات الخاطئة واعتبارها أمراً طبيعياً.
لذلك فإن مسؤولية الحفاظ على القيم والأخلاق لا تقع على عاتق الأسرة أو المدرسة وحدهما، بل هي مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع؛ من المثقف والإعلامي والكاتب والناشط، إلى كل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي. فكل كلمة نكتبها وكل تعليق ننشره يعكس جزءاً من شخصيتنا وتربيتنا وقيمنا.
إننا اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية لأنفسنا، وإلى إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها أساساً لكل حوار وعلاقة إنسانية. فالكلمة الطيبة لا تكلف شيئاً، والاحترام لا ينتقص من قيمة أحد، والاختلاف لا يفسد للود قضية إلا عندما تغيب الأخلاق وتسيطر الأهواء.
ويبقى المعيار الحقيقي للإنسان ليس مقدار ما يملكه من علم أو ثقافة أو شهرة، بل مقدار ما يحتفظ به من أخلاق عند الغضب، ومن احترام عند الاختلاف، ومن إنسانية عندما تتساقط الأقنعة وتنكشف الحقائق. فالأخلاق ليست ضعفاً كما يظن البعض، بل هي قوة حقيقية، والجوهرة التي تزداد قيمة كلما ندرت في محيطها

مشتاق الربيعي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال