7 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الزراعة في ظل ندرة المياه: كيف ننتج غذاءً أقل استهلاكاً للماء؟

الزراعة في ظل ندرة المياه ليست مستحيلة، لكنها تتطلب تغييراً حقيقياً في أساليب الإنتاج والإدارة.

بقلم: بولنوار إكرام
منذ 4 ساعة
6 دقائق قراءة
8 مشاهدة
الزراعة في الجزائر

الزراعة في الجزائر

تستهلك الزراعة حوالي 72% من إجمالي سحب المياه العذبة في العالم. وفي المنطقة العربية، ترتفع هذه النسبة بشكل أكبر، مما يجعل الزراعة أكبر مستهلك للمياه، وفي الوقت نفسه الحلقة الأضعف في منظومة الأمن المائي.

كيف ننتج غذاءً يكفي سكاننا المتزايدين، مع تقليل استهلاكنا للماء؟ هذا هو التحدي الذي يواجه العالم اليوم.

حجم المشكلة: أرقام لا تترك مجالاً للشك

قبل أن نبحث عن الحلول، علينا أن ندرك حجم التحدي.

وفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) لعام 2025، انخفض نصيب الفرد من المياه المتجددة في العالم بنسبة 7% خلال العقد الماضي. وهذا ليس مجرد رقم في تقرير، بل مؤشر على تراجع الموارد التي يعتمد عليها ملايين البشر في حياتهم وإنتاج غذائهم.

ويعيش اليوم أكثر من 1.2 مليار شخص في مناطق زراعية تعاني من شح مائي حاد، بينما تواجه نحو 60% من الأراضي المروية في العالم مستويات مرتفعة جداً من الإجهاد المائي.

أما في المنطقة العربية، فالوضع أكثر تعقيداً، إذ تُعد دول مثل الكويت والإمارات وقطر واليمن من بين أقل دول العالم امتلاكاً للموارد المائية المتجددة للفرد. وفي مثل هذه البيئات، تصبح الزراعة تحدياً يومياً يتطلب إدارة دقيقة لكل قطرة ماء.

وفي الجزائر، تتراوح الاحتياجات المائية للمحاصيل بين 400 و600 ملم سنوياً بحسب نوع المحصول، بينما تستهلك أشجار الفاكهة وحدها أكثر من 45% من إجمالي احتياجات الري. ويعكس ذلك تحدياً واضحاً يتمثل في زراعة محاصيل مرتفعة الاستهلاك للمياه في بيئة تعاني أصلاً من محدودية الموارد المائية.

الري الذكي: ليس ترفاً.. بل ضرورة

يُعد الري بالتنقيط من أكثر الحلول فعالية لترشيد استهلاك المياه، إذ يوصل الماء مباشرة إلى جذور النبات بكميات محسوبة، مما يقلل الفاقد الناتج عن التبخر والجريان السطحي.

وتشير الدراسات إلى أن هذه التقنية يمكن أن تخفض استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 30 و70% مقارنة بالري بالغمر التقليدي.

وفي دراسة أجريت على بساتين الفاكهة في الأردن، انخفض استهلاك المياه من 1277 ملم سنوياً إلى 795 ملم بعد تطبيق تقنيات الري الحديثة، أي توفير يقارب 38% مع تحسين كفاءة استخدام المياه.

لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، يُعرف باسم "مفارقة كفاءة الري". فزيادة كفاءة استخدام المياه داخل المزرعة قد تؤدي أحياناً إلى زيادة الاستهلاك الإجمالي، إذا استُخدمت المياه الموفَّرة في توسيع المساحات المزروعة أو زراعة محاصيل إضافية.

ولهذا، فإن نجاح تقنيات الري الحديثة لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى سياسات وإدارة رشيدة تضمن أن يتحول توفير المياه إلى مكسب حقيقي للموارد المائية، لا إلى زيادة في الاستهلاك.

كما أظهرت تجارب في قيرغيزستان أن استخدام الري بالتنقيط خفض استهلاك المياه بنسبة تراوحت بين 20 و30% مع الحفاظ على مستويات إنتاج مستقرة.

محاصيل المستقبل: مقاومة الجفاف ليست رفاهية

اختيار نوع المحصول لا يقل أهمية عن اختيار طريقة الري، فبعض المحاصيل تستهلك كميات أقل من المياه مع قدرتها على تحقيق إنتاج جيد.

وقد أثبت كل من السورغم (الذرة الرفيعة) والدخن كفاءة عالية في البيئات الجافة. ففي إحدى الدراسات، حقق السورغم إنتاجية بلغت 4.2 طن للهكتار، بينما تميز الدخن بكفاءة مرتفعة في استخدام المياه مع استهلاك منخفض نسبياً.

أما الكينوا، فقد أثبتت نجاحها في المملكة العربية السعودية تحت ظروف الري المحدود، حيث حققت بعض الأصناف إنتاجية وصلت إلى 2400 كجم للهكتار.

وتوضح هذه النتائج أن تنويع المحاصيل والاعتماد على أصناف أكثر تحملاً للجفاف يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الغذائي مع تقليل الضغط على الموارد المائية.

التسميد الحيوي: حل غير متوقع

لا يقتصر ترشيد المياه على أنظمة الري أو اختيار المحاصيل، بل يمتد أيضاً إلى تحسين قدرة النبات على الاستفادة من المياه المتاحة.

فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Agronomy عام 2024 أن استخدام الفطريات الجذرية (Mycorrhizae) مع السماد العضوي أدى إلى زيادة وزن الجذور بنسبة 72%، وزيادة نمو الأجزاء الخضرية بنسبة 137% تحت ظروف الجفاف.

ويعني ذلك أن النباتات أصبحت أكثر قدرة على امتصاص المياه والعناصر الغذائية من التربة، مما ساعدها على تحمل فترات الجفاف بكفاءة أعلى.

ورغم أن التسميد الحيوي لا يُغني عن الري، فإنه يمثل وسيلة فعالة لتعزيز مقاومة النباتات للإجهاد المائي وتقليل احتياجاتها من المياه.

الخلاصة

الزراعة في ظل ندرة المياه ليست مستحيلة، لكنها تتطلب تغييراً حقيقياً في أساليب الإنتاج والإدارة.

فنحن بحاجة إلى تقنيات ري أكثر كفاءة، ومحاصيل أكثر تحملاً للجفاف، وتربة أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه، إلى جانب سياسات زراعية تضمن استدامة الموارد المائية وتمنع التوسع غير المدروس في استهلاكها.

فالغذاء والماء ليسا خيارين منفصلين، بل عنصران متكاملان في معادلة واحدة اسمها الحياة. وكل قطرة ماء نحسن استخدامها اليوم هي استثمار في أمننا الغذائي ومستقبل الأجيال القادمة.

سؤال للنقاش

في رأيك، ما هو الحل الأكثر إلحاحاً لمواجهة ندرة المياه في الزراعة العربية؟

هل تعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لتطوير تقنيات الري، أم لتغيير نوعية المحاصيل، أم لإصلاح السياسات الزراعية وإدارة الموارد المائية؟


📚 المصادر والمراجع

1. Chatham House – The Water Footprints of Global Food and Agriculture Trade
   https://www.chathamhouse.org/2025/12/water-footprints-global-food-and-agriculture-trade

2. Agronomy (2024) – Biofertilizers for Drought-Stressed Wheat
   https://ouci.dntb.gov.ua/en/works/7W3Xax57/

3. Food and Agriculture Organization (FAO) – AQUASTAT Water Data Snapshot 2025
   https://turkiye.un.org/en/307046-world-faces-growing-thirst

4. ScienceDirect – Agricultural Water Management in Algeria
   https://www.sciencedirect.com/org/science/article/pii/S1874331526000020

5. Frontiers in Plant Science (2025) – Quinoa Drought Tolerance in Saudi Arabia
   https://www.mendeley.com/catalogue/5bacad21-c2f3-3102-88e6-3513d86cc46b/

6. Springer – Water Conservation in Jordan's Highlands
   https://link.springer.com/article/10.1007/s41101-025-00393-w

7. Directory of Open Access Journals (DOAJ) – Drought-Resistant Crops in Kyrgyzstan
   https://doaj.org/article/f0b8180277c44cd18424a0dd9aea

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

بولنوار إكرام

تقنية في تسيير واقتصاد الماء بدولة الجزائر

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

الزراعة في ظل ندرة المياه: كيف ننتج غذاءً أقل استهلاكاً للماء؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°