مع بداية صباح كل يوم تبذل أم أحمد جهداً كبيراً في إيقاظ إبنها (كريم) ليتمكن من اللحاق بعربة المياه الصالحة للشرب، والتي تأتي لمخيمات النزوح ليتسنى للناس تعبئة ما لديهم من أوعية، فيقف في طابور الصباح ينتظر دوره، كريم ليس الوحيد، بل هو حالة من آلاف الحالات في غزة تسعى لنفس المطلب، المياه .
الطابور الصباحي للحصول على الماء في غزة، يؤكد أنه حين تشتعل الحروب بين البشر، فهذا معناه أن كل الطرق الدبلوماسية قد أغلقت، ولم يعد في الأفق بصيص أمل، وأن كل طرف يسعى للضغط على الآخر باستخدام الأدوات المتاحة لديه،
وتسعى القوى المسيطرة إلى التحكم بالموارد الأساسية والحد من الأمن الإنساني لدى الطرف الآخر، انطلاقاً من قناعة مفادها أن ذلك ينعكس سلباً على قدرته على الصمود الاجتماعي.
ومن ضمن الأدوات التي يستخدمها القوي ضد الضعيف هي حرمانه من الماء والغذاء والكساء والدواء، رغم أن تلك الأمور هي من أهم حقوق الانسان، وليست منة، ويجب أن تكون بعيدة عن الصراع بين الأطراف المتقاتلة وقت الحروب،بالرغم أن القانون الدولي الإنساني يوفر حماية للأعيان المدنية الضرورية لبقاء السكان، كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرّم بعض الأفعال التي تتضمن تجويع المدنيين أو حرمانهم من مقومات البقاء الأساسية أثناء النزاعات المسلح
إسقاطاً لما سبق على الواقع الفلسطيني وما يتعرض له الشعب الفلسطيني خاصة في غزة، فيمكن القول إن إسرائيل استخدمت سلاح المياه لزيادة الضغط على أهل غزة، فسيطرت على مساحة واسعة من الأراضي التي تحتوي على عدد كبير من الآبار الزراعية، ودمرت الكثير من الآبار المائية التي كانت تستخدمها البلديات والجهات المختصة لتزويد المواطنين بالماء، ودمرت شبكات توصيل المياه، ومنعت إدخال الأجهزة الخاصة بتشغيل واصلاح المعدات، ومنع إدخال السولار الخاص بتشغيل شركة الكهرباء.
في حديثه للجزيرة نت مدير عام سلطة المياه في غزة، أكد الدكتور منذر سالم، إن "أكثر من 80% من أصل 400 بئر مياه في القطاع خرجت تماماً عن الخدمة، إما بسبب التدمير المباشر، أو نفاد الوقود، أو لوقوعها في مناطق عسكرية، وعزلها خلف ما يُسمى الخط الأصفر، مما يحول دون الوصول إليها، وذلك تزامن مع توقف حوالي 85% من محطات التحلية الخاصة عن العمل وتضرر أكثر من 120 كيلومتراً من الخطوط الناقلة الرئيسية، مؤكدا أن هناك تراجعاً حاداً وأزمة خانقة، خاصة مع بدايات الصيف، مشيراً إلى أن قطاع غزة يعيش عجزاً مائياً وتراجعاً في الإنتاج اليومي للمياه في القطاع من 300 ألف متر مكعب قبل العدوان إلى أقل من 120 ألف متر مكعب في فبراير/شباط 2026، وهو ما يمثل عجزاً مباشراً في الإنتاج يتجاوز 60%. .
ما سبق هو ما كان، وعليه، فإن استمرار غياب المياه سيخلق أضراراً كثيرة، فحرمان غزة من المياه معناه تأثر القطاع الزراعي سلباً؛ لأنه يعتمد على المياه الجوفية، وبما أن الأجهزة والآبار معطلة، فلن يستخرج المزارعون المياه، كما أن غياب المياه معناه انتشار الأمراض بين المواطنين؛ لأن غيابها يدفع المواطنين لإستخدام المياه الأقل صلاحية، وهذا يسبب لهم أمراضاً باطنية وجلدية، كما أن ذلك يؤثر على تبقى من الثروة الحيوانية.
ولا تقتصر آثار أزمة المياه على الجانب الصحي والزراعي، بل تصل للبنية الاجتماعية حيث تدفع الأسر لتخصيص جزء كبير من وقتها وجهدها للبحث عن الماء، وتزيد من الأعباء الواقعة على النساء والأطفال، كما تؤثر في أنماط الحياة اليومية والعلاقات داخل مخيمات النزوح.
وبناء على ذلك، فالحل يكون بالضغط على إسرائيل لوقف الحرب و لتخفيف حدة الأزمة من خلال إدخال معدات خاصة، وتوفير السولار اللازم لتشغيل محطات المياه، وإصلاح شبكات المياه الأرضية ،حتى يتمكن الناس من مواصلة حياتهم والتغلب على صعوبات الحياة وإعادة بناء ما يمكنهم مما دمرته الحرب.










