على مدار تاريخ القضية الفلسطينية، لم يكن الاحتلال الإسرائيلي يعتمد فقط على القوة العسكرية لتحقيق أهدافه، بل عمل دائمًا على توظيف الأدوات السياسية والإعلامية والنفسية والاستخبارية في محاولة للتأثير على البيئة الداخلية الفلسطينية وإعادة تشكيل أولوياتها واتجاهاتها. وفي كل مرحلة من مراحل الصراع، سعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى استثمار الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون لتحويلها إلى أدوات ضغط داخلية تخدم أهداف الاحتلال الاستراتيجية.
وفي أعقاب حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة وما خلفته من مآسٍ إنسانية هائلة، برزت محاولات جديدة لاستغلال حالة الإنهاك التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، من خلال إطلاق دعوات وتحركات جرى تسويقها تحت عناوين إنسانية ومعيشية، بينما حملت في خلفياتها وأهدافها أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز بكثير الشعارات المعلنة.
لقد راهن القائمون على حراك 26 يونيو على أن حجم المعاناة الإنسانية والضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها سكان قطاع غزة سيفتح الباب أمام حالة من الغضب يمكن توجيهها نحو مسارات تخدم أجندات معينة. كما راهنوا على أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب قد تضعف قدرة الناس على التمييز بين المطالب الحقيقية المشروعة وبين محاولات الاستثمار السياسي والأمني في معاناتهم.
لكن ما حدث على أرض الواقع كشف مجددًا عن إحدى أهم الحقائق التي فشلت مختلف الأطراف المعادية في استيعابها على مدار عقود الصراع، وهي أن الغزيين ، رغم كل ما تعرضوا له من حصار وحروب واستهداف، يمتلكون مستوى عاليًا من الوعي السياسي والأمني والتراكمي يجعلهم قادرين على قراءة المشهد بصورة أعمق من الشعارات التي ترفع أمامه.
فأهل غزة يدركون أكثر من أي طرف آخر حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشونها، وهم الأقدر على التعبير عن احتياجاتهم ومعاناتهم، لكنهم في الوقت ذاته يملكون حساسية عالية تجاه أي محاولة لاستغلال هذه المعاناة أو توظيفها لخدمة مشاريع لا تنسجم مع مصالحهم الوطنية. ولذلك فإن كثيرًا من أبناء غزة لم ينظروا إلى هذه الدعوات من زاوية الشعارات المرفوعة فقط، بل من زاوية الجهات التي تقف خلفها، والجهات التي سارعت إلى تبنيها والترويج لها والدفاع عنها.
وفي العلوم الأمنية والاستخبارية، لا تقل أهمية الجهات الداعمة لأي حراك عن الشعارات التي يرفعها. فحين تبادر جهات معادية للشعب الفلسطيني، أو منصات مرتبطة بالمؤسسة الدعائية للاحتلال، إلى إظهار حماس استثنائي لتحرك معين، فإن ذلك يدفع المتابعين بطبيعة الحال إلى التساؤل حول طبيعة المصالح التي يدفعها هذا الحراك أو الأهداف التي يمكن أن يحققها.
لقد أدرك اهل غزة، بحكم تجربتهم الطويلة مع الاحتلال، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تكن يومًا معنية بتحسين أوضاعهم الإنسانية أو الدفاع عن حقوقهم أو تخفيف معاناتهم، بل كانت على الدوام تسعى إلى توظيف الأزمات الداخلية بما يحقق مصالحها الأمنية والسياسية. ولذلك فإن أي محاولة لتقديم الاحتلال أو أدواته الإعلامية بوصفها داعمًا لمعاناة غزة تصطدم مباشرة بذاكرة جمعية مثقلة بعقود من القتل والتهجير والحصار والاستهداف.
كما أن المجتمع الفلسطيني يميز بوضوح بين الحراك الذي ينطلق من داخل معاناة الناس ويعبر عنهم بصورة طبيعية ومستقلة، وبين التحركات التي تتشكل خارج بيئتهم أو تحظى بدعم وتوجيه من جهات تحاول استثمار آلامهم لتحقيق أهداف خاصة. فالشعب الذي عاش سنوات طويلة من المواجهة مع الاحتلال طوّر قدرة كبيرة على قراءة السياقات السياسية والأمنية المحيطة بالأحداث، ولم يعد يتعامل مع أي دعوة أو خطاب بمعزل عن الجهات التي تقف وراءه أو المستفيد الحقيقي من نتائجه.
لقد أثبتت نتائج حراك 26 يونيو أن الرهان على تفكيك الجبهة الداخلية الفلسطينية عبر استغلال الظروف الإنسانية لم يكن رهانًا ناجحًا. فعدم الاستجابة لهذه الدعوات عكست إدراكًا واسعًا لدى المواطنين بأن معالجة الأزمات والمعاناة لا تكون عبر الانجرار إلى مسارات قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام أو الفوضى أو الصدام الداخلي، بل عبر الحفاظ على التماسك المجتمعي وتعزيز عوامل الصمود في مواجهة التحديات القائمة.
ولا يعني ذلك أن أهل غزة لا يعانون أو أنهم لا يطالبون بتحسين أوضاعهم، بل على العكس تمامًا. فالمعاناة حقيقية وقاسية ومستمرة، لكن الوعي الشعبي أثبت أنه قادر على الفصل بين المطالب المشروعة وبين محاولات استغلال هذه المطالب لخدمة أجندات أخرى. وهذه القدرة على التمييز هي التي شكلت على الدوام أحد أهم عناصر قوة المجتمع الفلسطيني في مواجهة مختلف محاولات الاختراق والاستهداف.
إن فشل هذا التحرك لا يمكن قراءته فقط باعتباره فشلًا تنظيميًا أو جماهيريًا، بل يجب فهمه باعتباره انتصارًا للوعي الجمعي في قطاع غزة، وانعكاسًا لنضج سياسي وأمني تراكم عبر سنوات طويلة من المواجهة والتجارب والخبرات. فالشعب الذي واجه الحروب والحصار والتهجير والإبادة، ما زال يمتلك القدرة على التمييز بين من يتحرك دفاعًا عن مصالحه الوطنية والإنسانية، وبين من يسعى إلى استغلال آلامه لتحقيق أهداف لا تخدمه.
وفي المحصلة، أثبت أهل غزة انهم يمتلكون إرادة ووعيًا وقدرة على قراءة المشهد وتحديد أولوياتهم بأنفسهم. ولذلك فشلت محاولات الاستثمار في معاناتهم، وسقطت رهانات توظيف احتياجاتهم في مشاريع مشبوهة، وبقيت الحقيقة الأبرز أن وعي الشعب الفلسطيني ما زال يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة كل محاولات الاختراق والتضليل والاستغلال.










