تكشف القراءة المتقاطعة بين تحليل وجهة النظر الإسرائيلية عبر عدد من القراءات الواردة في مراكز التحليل والدراسات، وما ورد حول أداء ما يسمى "مجلس السلام" وترتيبات ما بعد الحرب، أن قطاع غزة يتجه نحو مرحلة شديدة التعقيد، عنوانها الأساسي: الانتقال من الحرب العسكرية المباشرة إلى معركة إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني للقطاع.
فعلى الرغم من النجاحات الاستخباراتية والعسكرية التي حققها الاحتلال عبر اغتيال قيادات بارزة في حركة حماس وتفكيك أجزاء واسعة من بنيتها العسكرية، فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن إسرائيل لم تنجح في تحقيق هدف "إنهاء المقاومة" بوصفها حالة نفوذ وسيطرة وتأثير داخل غزة. وهذا ما أشار إليه الباحث الإسرائيلي عوزي رابي بوضوح عندما أكد أن الحركة لم تعد تعتمد فقط على هيكل تنظيمي مركزي يمكن إسقاطه عبر الاغتيالات، بل تحولت إلى شبكات محلية مرنة تستند إلى البيئة الاجتماعية والعائلية والسلاح والقدرة على إدارة الموارد.
هذا التحول يعني أن الاحتلال يواجه اليوم معضلة مركبة؛ فهو قادر على إضعاف البنية العسكرية التقليدية للمقاومة، لكنه عاجزة حتى الآن عن إنتاج بديل سياسي وإداري قادر على ملء الفراغ داخل القطاع. ومن هنا يظهر البعد الأخطر في المرحلة الحالية، حيث يجري توظيف ملف الإغاثة وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية ضمن مشروع سياسي – أمني أوسع تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل عبر "مجلس السلام".
اللافت أن المجلس، بدل أن يتحول إلى أداة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وإنهاء الكارثة الإنسانية، بات عمليًا إطارًا لإدارة "اليوم التالي" وفق الرؤية الإسرائيلية، عبر ربط إعادة الإعمار ورفع الحصار ونقل المساعدات بشرط نزع سلاح المقاومة. وهذا يكشف أن المعركة انتقلت من محاولة الحسم العسكري إلى محاولة فرض وقائع سياسية وأمنية طويلة المدى تحت غطاء دولي.
وفي المقابل، تستثمر إسرائيل حالة الدمار الهائل والكارثة الإنسانية غير المسبوقة للضغط على البيئة الفلسطينية في غزة. فالأرقام المتعلقة بالضحايا والدمار والانهيار الاقتصادي والصحي والتعليمي تعكس أن القطاع دخل مرحلة إنهاك مجتمعي عميق، قد يُستخدم كورقة لدفع السكان نحو القبول بأي ترتيبات تضمن الحد الأدنى من الحياة.
لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار الاغتيالات والتوغلات العسكرية والخروقات اليومية لوقف إطلاق النار، إلى جانب توسيع المناطق العازلة وبناء مواقع عسكرية دائمة داخل القطاع، يكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه نهاية للحرب، بل كمرحلة انتقالية لإعادة إنتاج السيطرة الأمنية على غزة بصورة مختلفة.
وعليه، يمكن القول إن غزة تتجه نحو أحد ثلاثة مسارات متداخلة:
1. استمرار حالة الاستنزاف الطويل
بحيث تبقى المقاومة موجودة بصيغتها اللامركزية، مقابل استمرار الضغط العسكري والأمني الإسرائيلي دون حسم كامل.
2. فرض نموذج إدارة دولية – أمنية للقطاع
عبر مجلس السلام واللجنة التكنوقراطية وقوات دولية، مع محاولة تحييد المقاومة تدريجيًا وربط الإعمار بالشروط الأمنية.
3. إعادة إنتاج الانفجار من جديد
لأن أي ترتيبات تتجاوز الواقع الفلسطيني أو تحاول فرض نزع السلاح بالقوة السياسية والاقتصادية دون أفق وطني حقيقي، ستبقي جذور الصراع قائمة، وقد تدفع نحو جولات مواجهة جديدة بأشكال مختلفة.
الاحتلال، رغم تفوقه العسكري، لم ينجح حتى الآن في تحويل إنجازاتها الميدانية إلى استقرار سياسي دائم، بينما تبدو غزة مقبلة على مرحلة "سيولة استراتيجية" طويلة؛ لا حرب شاملة تنتهي بالكامل، ولا تسوية حقيقية تنضج، بل واقع هجين يجمع بين السيطرة الأمنية الإسرائيلية، والإدارة الدولية المشروطة، وبقاء المقاومة بأشكال جديدة أكثر مرونة وتعقيدًا.










