في هذا التقدير، نربط بين المتغيرات الميدانية الجارية، والتحركات الدبلوماسية في القاهرة، والمعضلات البنيوية التي تواجه هندسة "اليوم التالي" في قطاع غزة.
تمهيد: السياق الإقليمي والميداني
يأتي الحراك السياسي الراهن في القاهرة على وقع تصعيد إقليمي محموم ضربات أمريكية في الجنوب الإيراني وتهديدات بجولات قتال واسعة، مما يدفع الأطراف المحلية والإقليمية وموسكو وواشنطن نحو محاولة "تفكيك الألغام الحركية" في ملف غزة لإنهاء الحرب، وتجنب التدحرج نحو مواجهة شاملة غير منضبطة.
أولاً: التموضع الفلسطيني الجديد المناورة بالإدارة
شكّل إعلان حركة حماس عن حل "لجنة الطوارئ الحكومية" لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة خطوة تكتيكية لافتة تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية وميدانية محددة:
نزع الذرائع: إقالة الواجهة الإدارية التابعة للحركة رسمياً وسحبها من المشهد فوق الأرض، لإحراج الموقف الإسرائيلي دولياً ودفع عجلة مفاوضات القاهرة للامام و الضغط على نتنياهو وتوظيف الوقت.
التمكين التكنوقراطي: تمهيد الطريق أمام "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" التوافقية برئاسة علي شعث لاستلام المهام المدنية والخدمية، مع الإبقاء على الكوادر الفنية البلديات، الصحة لمنع انهيار القطاعات الحيوية.
ثانياً: التناقض البنيوي الحاد معضلة الأمن والسيادة
رغم التسهيلات الإدارية التي قدمها الجانب الفلسطيني، يصطدم مشروع "اللجنة الوطنية" بجدار مسدود يتعلق بـ"احتكار أدوات القوة وفرض النظام". هذا التناقض يمكن تلخيصه في الجدول التالي:
|
محور الخلاف |
المقاربة الفلسطينية ومقترحات الوسطاء |
الرؤية والفيتو الإسرائيلي |
|
الشرطة المدنية |
إعادة تدوير عناصر محلية مدققة أمنياً، أو الاستعانة بضباط سابقين ما قبل 2007) لإنفاذ القانون وحماية المساعدات. |
الرفض المطلق لأي عنصر شرطي ارتبط بالنظام السابق، والتعامل مع الأمن كملف خاضع للرقابة الإسرائيلية الفوقية. |
|
حرية الحركة العملياتية |
المطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل ومنع الاختراقات الأمنية لمنح اللجنة هيبة السيادة والشرعية الشعبية. |
التمسك بـ "حرية العمل العملياتي" النموذج ب في الضفة؛ أي حق الاجتياح، الاغتيال، والاعتقال في أي وقت. |
|
المعابر والحدود |
تسليم معبر رفح ومحور فيلادلفيا لطواقم اللجنة الوطنية مع رقابة دولية/عربية هجينة. |
الإصرار على ترتيبات أمنية فيزيائية وإلكترونية تمنح تل أبيب حق "الفيتو" على حركة الأفراد والبضائع. |
مكمن الخطر: تسعى إسرائيل إلى تفريغ اللجنة من أي مضمون "سياسي أو سيادي"، وتحويلها إلى مجرد "سلطة وظيفية خدمية" إدارة بلدية موسعة تتحمل عبء الأزمات دون امتلاك سلطة القرار، وهو ما تخشاه الأطراف الفلسطينية كونه يستنسخ تجربة "روابط القرى" ويقضي على مشروعية اللجنة محلياً.
ثالثاً: الهندسة الدبلوماسية للوسطاء صيغ الالتفاف والغموض الاستراتيجي
في محاولة لتفكيك عقدة "سلاح الفصائل" والرفض الإسرائيلي للسيادة الفلسطينية، يطرح الوسطاء مصر وقطر مقاربات تعتمد على "الترحيل والمقايضة الذكية":
1. صيغة "الفصل الوظيفي للسلاح": التمييز بين "السلاح العلني" سلاح خفيف بيد شرطة اللجنة لإنفاذ القانون و"السلاح الاستراتيجي" للفصائل الأنفاق والصواريخ، حيث يُطالب الأخير بـالتجميد الكامل والإخفاء تحت الأرض دون اشتراط نزعه قسراً في المراحل الأولى.
2. الردع الاقتصادي الإعمار مقابل الاحتواء: ربط تدفق أموال إعادة الإعمار وفتح المعابر بالحفاظ على "الحالة الصفرية" للمظاهر العسكرية الفصائلية، مما يخلق حاضنة شعبية ضاغطة تمنع الفصائل من خرق التهدئة.
3. المظلة العربية/الدولية المؤقتة: طرح فكرة استقدام طواقم استشارية أو قوات رمزية من دول جوار للإشراف على بناء جهاز الشرطة الجديد، كجسر ثقة يمنح إسرائيل "الطمأنينة الأمنية" ويمنح اللجنة "الشرعية السياسية".
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية لعمل اللجنة
السيناريو الأول: الولادة المشوهة النموذج الهجين: قبول الأطراف على مضض بصيغة رمادية سيادة إدارية كاملة للجنة فوق الأرض، مع بقاء السلاح الفصائلي كامناً تحت الأرض، واحتفاظ إسرائيل بحق التدخل الاستثنائي. هذا السيناريو هش وقابل للانفجار عند أول احتكاك ميداني.
السيناريو الثاني: الفشل العاجل والاستعصاء الأمني: رفض إسرائيل تقديم أي تنازلات بشأن معبر رفح وحرية الحركة، مما يدفع الفصائل لرفض تمكين اللجنة، وبالتالي استمرار الفراغ الأمني وتحول غزة إلى "بيئة استنزاف مستمر" تعبث بها العصاباتالعميلة المسلحة، و الاغتيالات.
السيناريو الثالث: الصفقة الشاملة المؤجلة: نجاح الضغوط الدولية الأمريكية-العربية في فرض خطة تدريجية تربط تمكين اللجنة بمسار سياسي أوسع يفضي إلى عودة منظمة التحرير للقطاع، وهو سيناريو يصطدم بتركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية.
خلاصة تقدير الموقف
المعركة الحقيقية الدائرة الآن في القاهرة ليست على "من يدير مستشفيات ومدارس غزة"، بل على "من يملك المسدس في الشارع، ومن يملك مفتاح البوابة على الحدود" التنازل الإداري الفلسطيني وضع الكرة في الملعب الإسرائيلي والدولي، لكن الفيتو الإسرائيلي على السيادة يجعل من "اليوم التالي" حقل ألغام سياسي يصعب عبوره دون ضمانات دولية وإقليمية ملزمة وصارمة.
بالنظر إلى هذه الهندسة المعقدة التي يحاول الوسطاء صياغتها، هل يعتقد أن "الردع الاقتصادي" ربط الإعمار بالهدوء الصارم يمكن أن ينجح ككابح طويل الأمد لسلاح الفصائل، أم أن غياب الأفق السياسي والسيادي سيجعل الانفجار الميداني مسألة وقت فقط؟
بدون أفق سياسي لن ينجح أي حل أمني، ومقاربة نتنياهو والكيان الاسرائيلي الأمنية هي حجر العثرة أو العقدة المركبة التي تحول بين الاستقرار والتنمية في المنطقة والحل الدائم.
التوصية أن يتم الضغط على إسرائيل بالموافقة على الحل المبني على البعد الإنساني والإعمار وتسليم الأمن في هذه المرحلة لقوة عربية إسلامية، مصر وتركيا وقطر عصبها، كضامن وضابط لسلاح المقاومة، حتى يتم ترتيب البيت الفلسطيني وتشكيل قوة فلسطينية تحت ولاية السلطة الفلسطينية المنتخبة.










