تُعد التطورات الأخيرة في المشهد الفلسطيني، ولا سيما فشل الحراك المدني والشروط الإسرائيلية المطروحة، أكثر من مجرد "أخبار" عابرة؛ إنها إشارات استراتيجية تكشف عن تحول عميق في منطق الصراع.
نحن أمام محاولة إسرائيلية ممنهجة لفرض واقع جديد يقوم على ما يمكن تسميته بـ "جيوسياسة العجز"، حيث لا يبحث القوي عن حل، بل يسعى لتحويل المشكلة ذاتها إلى "حل" دائم عبر إطالة أمدها وتفريغها من محتواها السياسي، تجميد ملف الصراع ورهنه بالملف الاسرائيلي الداخلي والصراعات الايدلوجية.
استنفاد البديل المدني: من "فشل الوكالة" إلى "إعدام الوسط"
ما حدث ليس مجرد إخفاق لدعوة مدنية، بل هو عملية "تأمين شامل للفضاء المدني" (Securitization of Civilian Space) [1]. تسعى إسرائيل من خلالها إلى استنفاد البديل المدني كآلية ضغط سياسي، مطبقةً قاعدة "الواقعية العاجزة": القوي قد لا ينتصر عسكرياً بالضرورة، لكنه قادر على منع انتصار الضعيف سياسياً.
عندما يفشل البديل المدني، يُدفع المجتمع نحو ثنائية صفرية: إما القبول بالاحتلال أو الانخراط في العنف، مما يمنح إسرائيل المبرر الأخلاقي والأمني أمام المجتمع الدولي لممارسة "القمع المشروع". هذا التوجه يهدف إلى إعدام "الفضاء الرمادي" الذي يمثله التكنوقراط والمستقلون، لتحويل القضية من صراع سياسي على السيادة إلى مجرد "مشكلة إنسانية-أمنية" يُديرها المجتمع الدولي كوكالة عمياء، لا الشعب الفلسطيني كفاعل سياسي.
نزع السلاح: "الشرط الانتحاري" وإعادة إنتاج الانقسام
إن ربط أي تقدم سياسي بنزع السلاح ليس مطلباً واقعياً، بل هو "شرط انتحاري" (Suicidal Precondition). تدرك إسرائيل جيداً استحالة قبوله ميدانياً، لكنها تطرحه لتبرير رفض أي حوار مستقبلي. الهدف هنا هو إعادة إنتاج سيناريو عام 2007 فشل الإدارة المدنية ولكن بشكل معكوس:
- في الماضي، كان فشل "الوكالة" مبرراً لعزل الفصائل.
- اليوم، يُستخدم فشل "الحراك المدني" مبرراً لرفض أي كيان فلسطيني مستقل، بدعوى غياب الشريك القادر على فرض الأمن.
هذه "اللامتناظرة المعكوسة" تعني أن إسرائيل لا تحارب السلاح فقط، بل تحارب "فكرة البديل" ذاتها. فكلما ظهر كيان مدني منظم، وجب افتراسه أو تهميشه لتعزيز مقولة "لا شريك للسلام".
استراتيجية "الانكماش التوسعي": استنزاف الوقت السياسي
يعكس السلوك الإسرائيلي الراهن حالة من "مزدوجية العجز"؛ عجز عن تحقيق نصر عسكري حاسم، وعجز عن الانسحاب السياسي نتيجة التعقيدات الداخلية. الحل الإسرائيلي لهذه المعضلة هو "الانكماش التوسعي" (Expansive Contraction) [2]:
- انكماش سياسي: رفض كامل لأي مسار تفاوضي أو وسيط سياسي.
- توسع عسكري واستيطاني: استغلال الفراغ الناتج عن غياب البديل المدني لإعادة بناء الواقع الأمني بشروط الاحتلال.
هذا السلوك يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الاستنزاف المعاكس"؛ حيث لا تُستنزف القوة العسكرية للمقاومة فحسب، بل يُستنزف "الوقت السياسي" (Political Time) [3]. يتم تجميد المشهد حتى يصبح الوضع القائم أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه، وتتحول "إدارة الصراع" إلى هدف بحد ذاته بدلا من حله.
لماذا الآن؟ "نهاية اللعبة" كاستراتيجية تبرير
إن توقيت تسريب هذه الشروط نزع السلاح، القوة الدولية، تجاوز التكنوقراط يشير إلى أن إسرائيل تُعلن "نهاية اللعبة" (Endgame Declaration). الهدف هو استباق أي محاولة فلسطينية لتقديم "بديل شرعي" وحرمان المجتمع الدولي من الحجة القائلة بأن "الفلسطينيين يريدون سلاماً".
بفشل الحراك المدني، تسعى إسرائيل لتعزيز "عقيدة العدو الشامل"، حيث لا فرق بين مدني ومقاوم في التنظيم السياسي، مما يطلق يدها في التصعيد الإقليمي شمالاً وجنوباً بحجة غياب أي أفق سياسي في غزة.
باستخدام أدوات فلسطينية مرتبطة بالاحتلال ومعاملات إقليمية.
الخلاصة
إن الاحتلال لا يبحث عن مخرج، بل يبحث عن تحويل "العجز" إلى استراتيجية بقاء. إن الشروط الثلاثة المطروحة ليست للتفاوض، بل هي أدوات لتبرير استمرار الحصار، ورفض الإعمار، وتجميد السيادة. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل هي معركة على "الشرعية السياسية للبديل المدني"، وهي المساحة التي تحاول إسرائيل إعدامها نهائياً لتحويل الفلسطينيين من فاعل سياسي إلى مجرد "موضوع أمني" تحت الوصاية الدولية.
المراجع
[1] Monash University. (n.d.). The securitization of civil society in conflict zones. Retrieved from https://research.monash.edu/en/publications/the-securitization-of-civil-society-in-conflict-zones-a-comparati/
[2] Cairn.info. (2022). The Return of Force: The Impotence of Power in Geopolitics. Retrieved from https://shs.cairn.info/strange-new-world-geoeconomics-vs-geopolitics--9782738150349-page-39?lang=en
[3] Annual Reviews. (2026). Contesting Inclusion: Expansion, Contraction, and Political Time. Retrieved from https://www.annualreviews.org/content/journals/10.1146/annurev-polisci-040924-091859








