الملخص
تتناول هذه الورقة ظاهرة ما نُسمّيه "الواقعية العجزة"، وهي نمط في ممارسة السلطة تمتلك فيه الدولة قدرات هائلة للفعل، لكنها عاجزة عن تحويل هذه القدرات إلى نتائج سياسية مستدامة. تستخدم الورقة الحالة الإسرائيلية في عهد نتنياهو نموذجاً تحليلياً، مع التركيز على ظاهرة "التفريغ المؤسسي" داخل حزب الليكود بوصفها متغيراً مُفسِّراً لأزمة الفاعلية السياسية الأشمل.
أولاً: الإطار النظري.. من "حزب الكتلة" إلى "حزب الزعيم"
تُميّز الأدبيات الكلاسيكية في علم السياسة الحزبية — من Michels إلى Panebianco — بين نمطين: الحزب المؤسسة الذي يملك حياة تنظيمية مستقلة عن قادته، وحزب الزعيم الذي تُعرَّف هويته بشخص واحد.
غير أن ما يميز الحالة الإسرائيلية أنها لا تنتمي لأيٍّ من النمطين بشكل نقي: فالليكود يحتفظ بـ"هيكل حزب المؤسسة" شكلاً -مؤتمرات، قواعد، آليات انتخابية- بينما تحوّل مضمونه إلى "حزب زعيم" وظيفةً. هذا التناقض بين الشكل والوظيفة هو ما نسميه "التفريغ المؤسسي".
التفريغ لم يكن عفوياً، بل اتبع منطقاً داخلياً في ثلاث مراحل متراكبة:
- مرحلة التطهير البديلي: إزاحة القيادات الوسطى القادرة على تشكيل "مرجعية داخلية" مستقلة (ساعر، بينت، شاخيد) وليس بالضرورة المعارضة صراحةً لنتنياهو.
- مرحلة تعدد الولاءات الخارجية: توطيد تحالفات مع شركاء (الحريديم، الصهيونية الدينية) تُصبح بموجبها ولاءات الحزب الداخلية مشروطة بمتطلبات الائتلاف، لا بأيديولوجيا مشتركة.
- مرحلة تشخيص الحزب: تحويل الحزب من "فاعل سياسي" يمتلك مصالح مستقلة إلى "أداة شرعية" لتجديد الزعامة. "الانتصارات" الحزبية أصبحت انتصارات شخصية، و"الهزائم" مشتركة.
ثانياً: "الواقعية العجزة".. نحو مفهوم تحليلي
تستند الواقعية التقليدية -من Morgenthau إلى Waltz- إلى افتراض أن القوة أداةٌ لتحقيق الأهداف. غير أن ثمة حالات تنقلب فيها العلاقة: تصبح القوة الهدف ذاته، وتصبح ممارستها المتواصلة غايةً لا وسيلة. ما يُميّز هذا النمط:
"الفاعل لا يفشل في تحقيق أهدافه لأنه يفتقر إلى القدرة، بل لأن ممارسة القدرة ذاتها أصبحت تُغني عن الهدف."
في هذا الإطار، نتنياهو لا يُدار بمنطق الاستراتيجي الذي يسعى إلى تحويل الموارد إلى نتائج، بل بمنطق ما نسميه "البيروقراطي الأزمي" (Crisis Bureaucrat): الفاعل الذي يُحوّل كل أزمة إلى استمرارية بديلاً عن حلها، لأن الاستمرارية هي مصدر شرعيته الوحيد.
هذا ليس ضعفاً شخصياً، بل نتاج بنيوي: حين تُفرَّغ المؤسسة الحزبية من آليات المساءلة الداخلية، يفقد الزعيم "المرآة" التنظيمية التي تُعيد ترتيب أولوياته.
ثالثاً: بارادوكس الخروج.. لماذا لا تحدث الانشقاقات؟
تكشف نظرية "بارادوكس العجز المزدوج" أن أعضاء "حزب الزعيم" يواجهون معادلة لا مخرج منها:
- البقاء داخل الحزب يعني "الموت البطيء" — الانزلاق مع زعيم فاقد الفاعلية نحو الهامش.
- الخروج يعني "الموت الأسرع" — لأن الهوية السياسية للعضو بُنيت في كنف الزعيم، ولا تملك "استقلالية" تُمكّنها من الصمود خارجه.
لذلك، الانشقاقات في "حزب الزعيم" نادراً ما تحدث في لحظات "الفشل" -لأن الجميع يعرف الفشل- بل في لحظة "انهيار الوهم": حين يُدرك المنتسبون أن الزعيم لم يعد يستطيع توفير "الحماية المتبادلة" التي هي العقد الضمني للعلاقة. نحن لم نصل بعد إلى تلك اللحظة في الحالة الإسرائيلية، لكن شروطها تتراكم.
رابعاً: إشكالية "ما بعد الزعيم".. أزمة التوريث البنيوي
يُميّز علماء السياسة بين نمطين لـ"الخروج القيادي":
- الخروج المؤسسي: الزعيم يبني آليات مستقلة عنه تضمن الاستمرارية.
- الخروج الشخصاني: الزعيم يبني آليات تضمن استمراره هو، فإذا غاب غابت معه.
نتنياهو، بحكم منطق "الواقعية العجزة"، اختار الثاني. النتيجة أن "ما بعد نتنياهو" ليس سيناريو انتقال، بل سيناريو فراغ — لكن بتحفظ: الأنظمة السياسية لا تنهار بانهيار زعمائها بالضرورة. ما يحدث عادةً هو "المحاكاة المؤسسية": يُعيد النظام إنتاج منطق "حزب الزعيم" بزعيم جديد، أقل كفاءةً وأقل شرعيةً، وأكثر هشاشةً.
خامساً: الفاعلية الاستراتيجية الكلية.. تشخيص "فائض القوة المعطل"
تُجسّد الحالة الإسرائيلية ما نسميه "فائض القوة المعطل": امتلاك قدرات عسكرية واستخباراتية واقتصادية هائلة، مع عجز موازٍ عن ترجمة هذه القدرات إلى نتائج سياسية مستدامة. تتجلى هذه المعادلة في:
- الملف الإيراني : أثبتت العمليات الإسرائيلية قدرة على الوصول والتدمير، لكنها لم تُنتج تغيير سلوك أو تفكيك برنامج. القدرة أُثبتت، والأثر السياسي غائب.
- الملف اللبناني: حالة أقرب إلى "النصر التكتيكي في خدمة الجمود الاستراتيجي" — تدمير قدرات حزب الله في مرحلة دون حسم الملف الجيوسياسي الأشمل.
- غزة : المثال الأوضح للتعارض بين القدرة والنتيجة — عملية عسكرية مفتوحة، بلا أفق سياسي معلن.
- الداخل الإسرائيلي: الانقسام المجتمعي العميق يُعطّل تحويل "القوة الكامنة" إلى "فاعلية مجتمعية".
ما يربط هذه الملفات: غياب "الاستراتيجية" بمعناها الكلاسيكي — التنسيق المقصود بين الأهداف السياسية والوسائل العسكرية والموارد الدبلوماسية نحو نتيجة محددة ومستدامة.الخلاصة: نحو نموذج تحليلي معمّق
تُقترح "الواقعية العجزة" بوصفها مفهوماً تحليلياً لحالات بعينها، وليست حكماً قيمياً. شروطها الثلاثة:
1. امتلاك القدرة — لا يُشترط ضعف الفاعل موضوعياً.
2. تفريغ المؤسسة — غياب آليات المساءلة التي تُعيد ربط القدرة بالهدف.
3. استمرارية الزعيم كغاية — حين يُصبح "الاستمرار" الهدف الضمني الذي يُزاحم كل هدف آخر.
حين تجتمع هذه الشروط الثلاثة، تتحول القوة من رافعة إلى قيد، ويتحول الزعيم من فاعل استراتيجي إلى "حارس وهم". الليكود اليوم ليس حزباً أصابه الضعف — بل هو تمثيل لمعادلة بنيوية يصعب كسرها حتى بعد زوال من أنتجها.









