23 يونيو 2026|القاهرة 28 °

هل أصبحت تركيا الهدف التالي؟ قراءة استراتيجية في تصريحات بول كريغ روبرتس ورسائل ما بعد الحرب على إيران

أثارت التصريحات الأخيرة لنائب وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، Paul Craig Roberts، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشف عن ما وصفه بتحركات منظمة داخل دوائر الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة تهدف إلى إعادة تشكيل صورة تركيا في الوعي الغربي وتحويلها تدريجياً إلى خصم استراتيجي جديد،

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 20 ساعة
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
هل أصبحت تركيا الهدف التالي؟ قراءة استراتيجية في تصريحات بول كريغ روبرتس ورسائل ما بعد الحرب على إيران

هل أصبحت تركيا الهدف التالي؟ قراءة استراتيجية في تصريحات بول كريغ روبرتس ورسائل ما بعد الحرب على إيران

أثارت التصريحات الأخيرة لنائب وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، بول كريج جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشف عن ما وصفه بتحركات منظمة داخل دوائر الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة تهدف إلى إعادة تشكيل صورة تركيا في الوعي الغربي وتحويلها تدريجياً إلى خصم استراتيجي جديد، على غرار النموذج الذي استُخدم سابقاً مع إيران.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية استثنائية ليس فقط بسبب موقع قائلها، وإنما أيضاً بسبب توقيتها، إذ تأتي في لحظة تشهد إعادة رسم واسعة لخريطة التوازنات الإقليمية عقب المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وفي ظل استمرار حالة السيولة الاستراتيجية التي تعيشها المنطقة من لبنان وسوريا وصولاً إلى شرق المتوسط.

من إيران إلى تركيا: البحث عن العدو التالي

بحسب رواية روبرتس، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نافتالي بينت وجّه خلال اجتماع للمنظمات اليهودية الأمريكية رسالة واضحة مفادها أن “تركيا هي إيران القادمة”.
وإذا صحّت هذه الرواية، فإنها تعكس تفكيراً استراتيجياً يقوم على مبدأ ثابت في إدارة الصراعات الإقليمية، وهو ضرورة وجود خصم دائم يُبرر استمرار حالة التعبئة السياسية والعسكرية. فبعد سنوات طويلة احتلت فيها إيران موقع “التهديد المركزي” في الخطاب الإسرائيلي، قد تكون بعض الدوائر الإسرائيلية بدأت تنظر إلى تركيا باعتبارها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة مستقبلاً على منافسة النفوذ الإسرائيلي في عدد من الملفات الحيوية، سواء في سوريا أو شرق المتوسط أو القضية الفلسطينية أو التوازنات الإسلامية السنية في المنطقة.


صناعة الخصم قبل استهدافه

يشير روبرتس إلى أن المطلوب ليس مواجهة تركيا عسكرياً في المدى القريب، بل البدء أولاً بعملية طويلة لتشكيل الوعي الغربي تجاهها.
هذا النموذج ليس جديداً في العلاقات الدولية؛ إذ تسبق أي مواجهة استراتيجية عادةً عملية إعادة تعريف للخصم في الإعلام ومراكز الأبحاث والدوائر السياسية، بحيث يجري تقديمه للرأي العام بوصفه مصدراً للتهديد وعدم الاستقرار. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن “شيطنة تركيا” يعني ـ وفقاً لرؤية روبرتس ـ محاولة نقل صورة أنقرة من كونها عضواً في حلف الناتو وشريكاً غربياً مهماً إلى دولة تُصوَّر باعتبارها تحدياً أمنياً للمصالح الغربية.

البعد الأعمق: صراع على قيادة الإقليم

لا تتعلق القضية، وفق القراءة الاستراتيجية، بتركيا كدولة فحسب، بل بموقعها داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل بعد الحروب المتلاحقة في الشرق الأوسط.
فبعد إضعاف العراق خلال العقدين الماضيين، واستنزاف سوريا، وإسقاط نظام القذافي في ليبيا، ثم الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران، أصبحت تركيا إحدى القوى القليلة التي ما تزال تمتلك مقومات التأثير السياسي والعسكري والاقتصادي المستقل نسبياً عن الإرادة الغربية والإسرائيلية.
لذلك يرى عدد من المحللين أن أي محاولة لإعادة هندسة المنطقة مستقبلاً ستصطدم حتماً بالدور التركي، سواء تم ذلك عبر أدوات الضغط الاقتصادية، أو عبر ملفات الأقليات، أو من خلال النزاعات الحدودية والإقليمية، أو عبر حملات التأثير الإعلامي والسياسي.
إسرائيل الكبرى: بين الخطاب السياسي والواقع الجيوسياسي
من أكثر النقاط إثارة في تصريحات روبرتس حديثه عن توسع مفهوم “إسرائيل الكبرى” داخل بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية.
ورغم أن هذا الطرح لا يمثل بالضرورة السياسة الرسمية الإسرائيلية المعلنة، فإن وجود تيارات قومية ودينية متشددة تتبنى رؤى توسعية لم يعد موضع خلاف داخل إسرائيل نفسها. لكن الانتقال من الخطاب الأيديولوجي إلى التطبيق العملي يبقى مرتبطاً بموازين القوى الدولية والإقليمية وبقدرة إسرائيل على حشد الدعم الأمريكي والغربي لمشاريعها الاستراتيجية.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الخرائط والشعارات، بل في السياسات التدريجية التي تعتمد على تفكيك مراكز القوة الإقليمية المنافسة وإبقائها في حالة استنزاف دائم.
معضلة واشنطن
الشق الأكثر حساسية في حديث روبرتس يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فهو يرى أن النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسات الأمريكية بلغ درجة تجعل من الصعب على كثير من السياسيين تحدي الرواية الإسرائيلية أو الاعتراض على أولوياتها الاستراتيجية.
غير أن المرحلة المقبلة قد تشهد اختباراً حقيقياً لهذه العلاقة، خاصة إذا تعارضت المصالح الأمريكية المباشرة مع مشاريع التصعيد الإقليمي التي تدفع بها بعض الدوائر الإسرائيلية. وفي هذا السياق يصبح السؤال الأساسي: هل ستظل واشنطن تتحرك وفق الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي، أم أنها ستسعى إلى صياغة مقاربة أكثر استقلالية تحفظ مصالحها الاستراتيجية الأوسع؟.

الخلاصة

تكشف تصريحات بول كريغ روبرتس، بصرف النظر عن الجدل حول دقتها أو خلفياتها، عن مخاوف متزايدة من انتقال مركز الصراع الإقليمي مستقبلاً من الملف الإيراني إلى الملف التركي. كما تعكس إدراكاً متنامياً بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب موازين القوى بين الدول الإقليمية الكبرى، حيث لم تعد المعركة تدور فقط حول الحدود والجيوش، بل حول تشكيل الصورة الذهنية للخصوم وصناعة الشرعية السياسية لأي مواجهة محتملة قبل وقوعها بسنوات.
وفي هذا الإطار، تبدو تركيا بالنسبة لبعض الدوائر الاستراتيجية لاعباً لا يمكن تجاهله، وربما المنافس الأكثر قدرة على التأثير في شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد انتهاء الحروب الحالية في المنطقة.

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هل أصبحت تركيا الهدف التالي؟ قراءة استراتيجية في تصريحات بول كريغ روبرتس ورسائل ما بعد الحرب على إيران - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°