يرى كثيرون أن الاتفاق المرتقب لا يقتصر تأثيره على إنهاء جولة من التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأسرها.
فبحسب هذا التصور، يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد نجح في إخراج كل من الولايات المتحدة وإيران من صراعات الإقليم المباشرة، تاركًا إسرائيل تتحرك منفردة في جبهاتها العربية الأربع: غزة، وسوريا، ولبنان، والضفة الغربية، من دون مواجهة تهديد إقليمي فعّال أو مباشر.
والحقيقة التي قد تبدو صادمة للبعض هي أن المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق، بصيغته الحالية، هي إسرائيل. فبمجرد توقيع الاتفاق، تصبح إيران خارج معادلة الصراع الإقليمي وفق نصوص مكتوبة وملزمة، وينتهي أي دور معلن لها في المواجهة، كما أنها ستفقد صفة الطرف المعتدى عليه إذا قررت العودة إلى التصعيد العسكري أو فتح جبهة جديدة في المستقبل.
وعلى الأرض، لا تبدو المؤشرات متجهة نحو تراجع إسرائيلي، بل على العكس، قد تتجه إسرائيل إلى توسيع هامش حركتها ونفوذها. وفي الوقت نفسه، سيستفيد ترامب من حالة الغضب والانتقادات الإسرائيلية المعلنة تجاه الاتفاق لتأكيد أن واشنطن ليست مسؤولة عن أي خطوات إسرائيلية لاحقة، متذرعًا باستقلالية القرار الإسرائيلي وسيادته الوطنية، بما يمنحه مساحة أكبر للابتعاد عن تبعات تلك السياسات.
وفي هذا السياق، لا توجد مؤشرات على انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها حاليًا، ولا من منطقة جبل الشيخ في سوريا، كما لا يبدو أن الانسحاب من غزة مطروح ضمن المعادلة الراهنة. ومن المرجح أن تستمر إسرائيل، بين فترة وأخرى، في تنفيذ عملياتها وغاراتها النوعية عبر الجبهات الثلاث.
أما على مستوى الأمن القومي الإقليمي، فمن المتوقع أن يتضمن الاتفاق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، التزامات إيرانية تتعلق بوقف تهديد دول الجوار. ويشمل ذلك، وفق هذا التصور، وقف عمليات نقل أو تهريب العتاد العسكري إلى خارج إيران، الأمر الذي سيمنح إسرائيل مبررًا لاستهداف أي تحركات أو شحنات سلاح يتم رصدها في المناطق المجاورة، سواء في سوريا أو لبنان.
ومهما تعددت الروايات السياسية والإعلامية، فإن القراءة العسكرية البحتة لما جرى على الأرض تشير إلى أن إسرائيل خرجت من هذه الجولة وهي الطرف الأكثر تحقيقًا للمكاسب الميدانية، والأقرب إلى بلوغ أهدافه الاستراتيجية، مقارنة ببقية الأطراف. وفي المقابل، تبدو إيران أقل الرابحين من هذه الحرب، حيث تحول مجرد بقاء النظام، رغم ما تعرض له من إنهاك واستنزاف وتراجع في أدوات نفوذه، إلى الإنجاز الرمزي الأبرز الذي يمكن التمسك به.
تلك هي القراءة العسكرية للوقائع كما تبدو على الأرض، أما ما عدا ذلك فيبقى جزءًا من معركة الروايات الإعلامية ومحاولات تسويق الانتصارات أمام الجمهور










