في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، والاشتباك المفتوح بين طهران وتل أبيب، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف على حافة منعطف تاريخي قد يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية لعقود قادمة. فالمشهد الحالي لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو جولة جديدة من الصراع التقليدي، بل بات أقرب إلى صراع استراتيجي تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية بصورة غير مسبوقة.
التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تحدث فيها عن إمكانية إصدار أوامر باستهداف محطات الطاقة والجسور والبنية التحتية داخل إيران، أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تزال الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، عاجزة عن حسم المواجهة مع إيران بصورة نهائية؟
ظاهرياً، تبدو الإجابة بسيطة. فالولايات المتحدة تمتلك من القدرات العسكرية ما يمكنها من إلحاق دمار هائل بالبنية التحتية الإيرانية خلال أيام قليلة. لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالحروب لا تُحسم فقط بحجم القوة النارية، وإنما أيضاً بحجم التداعيات التي قد تنتج عن استخدامها.
تدرك واشنطن جيداً أن أي محاولة لتوجيه ضربة ساحقة لإيران قد تؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل التي يصعب احتواؤها. فإيران لم تعد دولة معزولة جغرافياً أو عسكرياً، بل أصبحت جزءاً من شبكة إقليمية واسعة من التحالفات والقدرات العسكرية التي تسمح لها بإيذاء خصومها حتى في حال تعرضها لضربات قاسية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الصمت العسكري الأمريكي خلال مراحل عديدة من المواجهة الأخيرة. فواشنطن، وفق العديد من المؤشرات، لم تكن متحمسة لتوسيع دائرة الحرب، بل أبلغت حليفتها إسرائيل في أكثر من مناسبة بضرورة تجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تتحول إلى حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
السبب في ذلك لا يتعلق بالخوف من إيران بقدر ما يتعلق بالخوف من تداعيات الحرب نفسها. فالحرب الشاملة قد تضع منشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والمطارات في دول الخليج ضمن دائرة الاستهداف. كما قد تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يعني تهديداً مباشراً لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وفي حال اتسعت دائرة المواجهة، فإن إسرائيل نفسها قد تواجه وضعاً غير مسبوق، مع احتمالية تعرض المطارات والموانئ ومحطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية لقصف مكثف، الأمر الذي قد يفرض واقعاً أمنياً واقتصادياً جديداً على المنطقة بأسرها.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو التناقض الواضح في الخطاب الأمريكي. فمن جهة تتحدث الإدارة الأمريكية عن فرص التفاوض وإمكانية التوصل إلى اتفاق، ومن جهة أخرى تواصل التلويح بالخيار العسكري. هذا التذبذب يعكس في جوهره حالة من الحيرة الاستراتيجية أكثر مما يعكس وضوحاً في الرؤية.
فالرئيس ترامب، الذي يتعامل في كثير من الأحيان بعقلية رجل الأعمال أكثر من عقلية رجل الدولة، يبدو مقتنعاً بأن الضغوط القصوى والتهديدات العلنية يمكن أن تدفع الخصوم إلى تقديم التنازلات. غير أن الأزمات الجيوسياسية الكبرى لا تُدار بالمنطق ذاته الذي تُدار به الصفقات التجارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة تعتبر أن الصراع بالنسبة لها مسألة وجود وليست مجرد خلاف سياسي أو اقتصادي.
في المقابل، يرى كثيرون أن المواجهة الحالية تتجاوز شخص ترامب نفسه. فقرارات الحرب والسلم في الولايات المتحدة لا يصنعها رئيس بمفرده، وإنما تتداخل فيها مؤسسات الدولة العميقة ومراكز النفوذ الاقتصادي والعسكري والأمني، إلى جانب جماعات الضغط المؤثرة التي تمتلك حضوراً كبيراً داخل مراكز صنع القرار.
ومن هذا المنطلق، يعتقد بعض المراقبين أن الصراع مع إيران ليس مجرد رد فعل على تطورات أمنية آنية، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة رسم التوازنات الإقليمية ومنع ظهور قوى قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
كما أن هناك من يربط التصعيد الحالي بصراع اقتصادي عالمي أوسع، حيث يرى أن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة أو خطوط التجارة الدولية قد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصادات المنافسة للولايات المتحدة، وعلى رأسها الصين، إضافة إلى الاقتصادات الأوروبية والروسية المرتبطة بدرجات متفاوتة باستقرار تدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تدرك إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها أوراق قوة مهمة. فالعالم، مهما بلغت خلافاته مع طهران، لا يستطيع تجاهل أهمية استقرار أسواق الطاقة واستمرار تدفق النفط عبر الممرات البحرية الاستراتيجية. لذلك تراهن القيادة الإيرانية على أن خصومها سيحسبون جيداً كلفة أي مواجهة شاملة قبل اتخاذ قرار الذهاب إلى الحرب.
أما الحديث المتكرر عن مطالب أمريكية تتعلق بإنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة، أو فرض ترتيبات سياسية وإقليمية جديدة، أو توسيع مسار الاتفاقات الإقليمية القائمة، فإنه يعكس حجم الرهانات المطروحة على طاولة الصراع، ويؤكد أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالملف النووي، بل بمستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام تصعيد يهدف إلى تحسين شروط التفاوض، أم أمام مقدمات حرب كبرى يجري التحضير لها بهدوء؟
لا أحد يملك إجابة قاطعة حتى الآن. لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين، وأن أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لتطال الشرق الأوسط بأسره، وربما أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.
التغيير قادم بلا شك، لكن ما يزال مجهولاً ما إذا كان سيأتي عبر تسوية سياسية تعيد ترتيب التوازنات، أم عبر حرب ستكون كلفتها باهظة على الجميع، المنتصر فيها قبل المهزوم.










