20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

التنسيق المصري–التركي وتحديات مشروع التطبيع الإقليمي: هل تتشكل معادلة جديدة في الشرق الأوسط؟

تستند هذه المقاربة إلى قناعة متنامية لدى العديد من القوى الإقليمية بأن المضي في مشاريع التطبيع الشامل، دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لن يؤدي إلى بناء استقرار مستدام

بقلم: د. بكير أتاجان
١ يونيو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
16 مشاهدة
مصر وتركيا

مصر وتركيا

لا تبدو النقاشات المتصاعدة في تل أبيب خلال الساعات الأخيرة مجرد قراءات إعلامية عابرة أو تقديرات صحفية آنية، بل تعكس إدراكًا متزايدًا لوجود صراع سياسي ودبلوماسي عميق يدور خلف الكواليس بشأن مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ويتمحور هذا الصراع، وفق ما توحي به جملة من المؤشرات، حول رؤيتين متباينتين: الأولى تتبناها قوى إقليمية رئيسية في مقدمتها القاهرة وأنقرة، والثانية ترتبط بالمساعي الأمريكية الرامية إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر توسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والإسلامية.

وفي هذا السياق، يبرز التنسيق المصري–التركي بوصفه أحد أهم المتغيرات المؤثرة في المشهد الإقليمي الراهن. فوفقًا لهذا التصور، تسعى القاهرة وأنقرة إلى ربط أي ترتيبات سياسية أو أمنية أو اقتصادية مستقبلية في المنطقة بتحقيق تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، ورفض منح إسرائيل مكاسب استراتيجية واسعة النطاق دون مقابل سياسي حقيقي يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني.

وقد اكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ضوء التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية التركي، هكان فيدان، والتي أكد فيها أن أي انضمام إسرائيلي إلى منظومة إقليمية للأمن والتعاون تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، يظل مشروطًا باعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967. وبهذا الطرح، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف منفصل ضمن أجندة المنطقة، بل أصبحت عنصرًا تأسيسيًا في أي مشروع إقليمي جديد يسعى إلى إعادة صياغة معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

ومن منظور إسرائيلي، لا تقتصر أسباب القلق على المواقف المعلنة فحسب، بل تمتد إلى ما يُعتقد أنه تقارب متزايد في الرؤى بين عدد من العواصم الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد، بشأن ضرورة ربط أي توسع مستقبلي في مسار التطبيع بتحقيق تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية.

وتستند هذه المقاربة إلى قناعة متنامية لدى العديد من القوى الإقليمية بأن المضي في مشاريع التطبيع الشامل، دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لن يؤدي إلى بناء استقرار مستدام، بل قد يفضي إلى تعقيد الأزمات القائمة وإنتاج بؤر توتر جديدة في المنطقة.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن هناك توجهًا إقليميًا متزايدًا يهدف إلى ضمان عدم انتقال أي دولة عربية أو إسلامية ذات ثقل سياسي واستراتيجي إلى مرحلة جديدة من العلاقات مع إسرائيل ما لم يقترن ذلك بتحقيق تقدم واضح نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. غير أن هذا الشرط يصطدم بموقف الحكومة الإسرائيلية الحالية التي ترفض حتى الآن الانخراط في مسار سياسي يفضي إلى مثل هذه النتيجة، الأمر الذي يجعل فرص تحقيق اختراق سريع في هذا الملف محدودة للغاية.

ومن هنا، يواجه الرهان الأمريكي على إعادة هندسة المشهد الإقليمي عبر توسيع اتفاقيات التطبيع تحديات متزايدة. فالتصور القائم على إمكانية دمج إسرائيل بصورة أوسع في المنظومة الإقليمية، ومنحها مكاسب سياسية واستراتيجية كبيرة دون تقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني، يواجه اليوم ممانعة متنامية من عدد من القوى الإقليمية الفاعلة.

كما أن ملفات الأمن الإقليمي، والممرات البحرية الاستراتيجية، وشبكات التعاون الاقتصادي، وتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط، أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بشرط سياسي محوري يتمثل في إيجاد تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية المعترف بها. وهو شرط لا تبدو إسرائيل مستعدة للاستجابة له في المرحلة الراهنة، كما لا تبدو الولايات المتحدة قادرة على فرضه بصورة مباشرة.

وعلى هذا الأساس، يبرز سؤال استراتيجي بالغ الأهمية: هل سيتمكن التنسيق المصري–التركي، المدعوم بمواقف متقاربة من عدد من القوى الإقليمية المؤثرة، من فرض معادلة جديدة تجعل حل القضية الفلسطينية مدخلًا إلزاميًا لأي ترتيبات أمنية أو سياسية أو تطبيعية في المنطقة؟ أم أن التحولات الدولية والإقليمية المقبلة، إلى جانب الضغوط الأمريكية، ستنجح في إعادة تشكيل المشهد وفتح مسارات بديلة تتجاوز هذه الاشتراطات؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل مسار التطبيع في الشرق الأوسط، بل ستسهم أيضًا في رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية التي ستشكل المنطقة خلال السنوات القادمة ؟
 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

التنسيق المصري–التركي وتحديات مشروع التطبيع الإقليمي: هل تتشكل معادلة جديدة في الشرق الأوسط؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°