19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل أضاع نتنياهو فرصة دمج إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد؟

قراءة في التفاعل بين القوة العسكرية والممرات الاقتصادية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 9 ساعة
6 دقائق قراءة
8 مشاهدة
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وخريطة الشرق الاوسط

رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وخريطة الشرق الاوسط

منذ الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر/أيلول 2023، أصبح واضحًا أن المنافسة الدولية في الشرق الأوسط لم تعد تدور فقط حول الأمن أو الطاقة، بل حول السيطرة على الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية الرقمية التي ستشكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

ويمثل هذا المشروع، من الناحية الجيوسياسية، محاولة أمريكية وشركائها لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية الممتدة من آسيا إلى أوروبا، في مواجهة المبادرات الصينية، وعلى رأسها “الحزام والطريق”. ولذلك فإن نجاحه كان يتطلب بيئة سياسية مستقرة تسمح بتدفق الاستثمارات وحماية خطوط النقل والطاقة والاتصالات.

ضمن هذا التصور، كانت إسرائيل مرشحة للقيام بدور محوري، حيث كان من المفترض أن يتحول ميناء حيفا إلى إحدى أهم العقد اللوجستية في شرق المتوسط، بما يمنح إسرائيل فرصة غير مسبوقة للاندماج الاقتصادي في المنطقة، وليس فقط الحفاظ على تفوقها العسكري.

غير أن هذا السيناريو كان مشروطًا بتسوية سياسية تقلل من مخاطر الصراع، وهو ما يفسر أهمية المبادرات التي طُرحت خلال عام 2024، والتي تضمنت، وفق ما تداولته تقارير متعددة، ترتيبات تشمل إنهاء الحرب في غزة، وإطلاق عملية تبادل واسعة للأسرى، ووجود دور عربي في إدارة القطاع، مقابل مسار سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، تمهيدًا لتطبيع سعودي–إسرائيلي واسع يفتح الباب أمام شراكة اقتصادية إقليمية.

وفق هذه القراءة، فإن رفض حكومة بنيامين نتنياهو لهذه الصيغة لم يكن مجرد قرار تفاوضي، بل خيارًا استراتيجيًا أعاد تشكيل الحسابات الإقليمية. فقد افترضت الحكومة الإسرائيلية أن تفوقها العسكري يسمح لها بفرض الوقائع دون تقديم تنازلات سياسية، بينما كانت غالبية القوى الإقليمية تنظر إلى الاستقرار السياسي باعتباره شرطًا أساسيًا لإنجاح مشاريع الربط الاقتصادي العملاقة.

ومن هنا بدأت تظهر مؤشرات على اهتمام متزايد ببدائل لوجستية قد تقلل من الاعتماد على المسار الإسرائيلي، عبر تعزيز دور تركيا، وربط المشرق بالممرات الممتدة نحو القوقاز وآسيا الوسطى، مع منح سوريا، في حال استقرت أوضاعها، دورًا محتملاً في أي شبكة إقليمية جديدة. ولا يعني ذلك بالضرورة استبعاد إسرائيل بالكامل، وإنما يعكس سعيًا لتنويع الخيارات الاستراتيجية وعدم ربط مستقبل التجارة الإقليمية بمسار واحد.

في الوقت ذاته، أظهرت الحرب أن التفوق العسكري لا يترجم تلقائيًا إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. فمن منظور الأمن القومي، تمكنت إسرائيل من فرض وقائع ميدانية جديدة في غزة، ووسعت هامش عملياتها في جبهات أخرى، إلا أن هذه المكاسب جاءت مقرونة بتكاليف سياسية واقتصادية ودبلوماسية غير مسبوقة.

فالحرب لم تؤثر فقط في صورة إسرائيل الدولية، بل أعادت فتح نقاشات داخل الولايات المتحدة وأوروبا بشأن حدود الدعم السياسي والعسكري غير المشروط، كما زادت الضغوط المرتبطة بالقانون الدولي والاعتبارات الإنسانية، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً في هامش الحركة الدبلوماسية الإسرائيلية، حتى مع استمرار التحالف الاستراتيجي مع واشنطن.

وفي هذا السياق، تبدو العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية أكثر تعقيدًا مما توحي به القراءات الثنائية. فالخلاف لا يدور حول أهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة الأمريكية، وإنما حول الكيفية التي يجب أن تُدار بها هذه العلاقة، ومدى انسجام السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية الأوسع في الشرق الأوسط، خصوصًا تلك المرتبطة باحتواء الصين، وتأمين الممرات الاقتصادية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

ومن منظور اقتصادي، فإن استمرار الحرب يرفع تكلفة الأمن، ويؤثر في بيئة الاستثمار، ويؤخر مشاريع الربط الإقليمي التي كانت ستوفر لإسرائيل مزايا اقتصادية طويلة الأجل. وفي المقابل، يدفع دول المنطقة إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة تقلل من المخاطر السياسية المرتبطة باستمرار الصراع.

أما على المستوى الإقليمي، فقد برزت السعودية وتركيا ومصر بوصفها دولاً تمتلك القدرة على التأثير في هندسة النظام الإقليمي الجديد. فالسعودية توظف ثقلها الاقتصادي ورؤية 2030 لربط مشاريع التنمية بالاستقرار السياسي، بينما تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي يربط آسيا بأوروبا، وتحافظ مصر على أهميتها الجيوسياسية عبر قناة السويس وشرق المتوسط.

ولا يعني ذلك أن المنطقة تتجه إلى القطيعة مع إسرائيل؛ إذ تشير المعطيات إلى استمرار قنوات الاتصال الأمنية والسياسية، حتى بين بعض الدول التي لا تقيم علاقات دبلوماسية معها. غير أن طبيعة هذه الاتصالات تختلف عن منح إسرائيل دورًا مركزيًا في البنية الاقتصادية الجديدة للمنطقة.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى أحداث السابع من أكتوبر باعتبارها نقطة انعطاف استراتيجية عطلت مسارًا كان يهدف إلى دمج إسرائيل في شبكة اقتصادية إقليمية واسعة، وأدخلت الشرق الأوسط مجددًا في مرحلة يغلب عليها المنطق الأمني والعسكري على حساب التكامل الاقتصادي.

السؤال الذي يواجه صناع القرار اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل لا تزال تمتلك القوة العسكرية الكافية، بل ما إذا كانت هذه القوة قادرة، وحدها، على إنتاج شرعية إقليمية مستدامة، وجذب الاستثمارات، وتحويل التفوق العسكري إلى قيادة اقتصادية وسياسية طويلة الأجل.

إن التاريخ الحديث يشير إلى أن القوى الصاعدة لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في الحروب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات تعاون إقليمي تجعل السلام أكثر ربحية من الصراع. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل لا يتمثل في الحفاظ على تفوقها العسكري فحسب، بل في قدرتها على الاندماج في نظام إقليمي جديد تُعيد فيه الجغرافيا الاقتصادية رسم موازين القوة بقدر ما تفعل الجيوش.

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هل أضاع نتنياهو فرصة دمج إسرائيل في النظام الإقليمي الجديد؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°