في الحادي عشر من مايو ٢٠٢٦، حطم الكاتب الأمريكي الشهير نيكولاس كريستوف جدار الصمت الثقيل بمقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" تحت عنوان "الصمت الذي يواجه اغتصاب الفلسطينيين". هذا المقال لم يكن مجرد تقرير صحفي عابر، بل كان وثيقة إدانة صارخة، تعرت فيها رواية الاحتلال الرسمية أمام شهادات حية، صادمة، وموثقة من قلب المعاناة الفلسطينية.
لقد خاطر كريستوف بالنزول ميدانياً إلى الضفة الغربية، ليعود بشهادات تدمي القلوب؛ من بينها قصة سيدة فلسطينية في الثانية والأربعين من عمرها، جُردت من ملابسها وعُذبت واغتُصبت على مدار يومين كاملين أمام كاميرات الجنود الذين استخدموا التوثيق كأداة للابتزاز والترهيب النفسي اللاحق. ولم تقتصر هذه الفظائع على النساء، بل امتدت لتشمل الصحفيين مثل سامي الساعي، وأرقاماً مرعبة تؤكد أن أكثر من نصف الأطفال المعتقلين تعرضوا أو شهدوا على أشكال من العنف الجنسي الممنهج.
أمام هذا الزلزال المهني، لم تجد الدبلوماسية "الإسرائيلية" سلاحاً سوى الهجوم الهستيري. سارعت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" للتهديد بمقاضاة الصحيفة العريقة بتهمة "التشهير"، معتبرة التحقيق "فرية دم حديثة". لكن الصفعة الحقيقية جاءت من إدارة "نيويورك تايمز" نفسها، التي رفضت خفض رأسها أمام الابتزاز، ورفضت حذف المقال أو تعديله، مؤكدة وقوفها التام خلف كاتبها وخلف مصداقية تحقيقه القانوني والمهني.
إن ما كشفه نيكولاس كريستوف يتجاوز حدود الجريمة الجنائية الفردية ليلامس عمق البنية الفاشية لسياسة الاحتلال، وهو في الوقت ذاته يعري النفاق المخزي للمجتمع الدولي. لعقود طويلة، صمّت العواصم الغربية آذانها عن صراخ الأسرى الفلسطينيين، واختبأت خلف عبارات "القلق العميق" والمطالبة بتحقيقات شفافة تُترك للجلاد نفسه ليديرها ويبرئ فيها نفسه.
العنف الجنسي عندما يُمارس بشكل ممنهج، وبتوافق صامت من القيادات العسكرية، ويُستخدم كأداة لكسر الإرادة الشعبية وسحق الكرامة الإنسانية، يتحول إلى جريمة حرب كاملة الأركان وفق القانون الدولي. الغريب والمقزز هنا، هو تلك الازدواجية الفاضحة؛ فالعالم الذي انتفض وتحركت مؤسساته الجنائية لتوثيق ومحاكمة أي شبهة عنف جنسي في نزاعات أخرى حول العالم، هو نفسه العالم الذي يُصاب بالخرس التام عندما يتعلق الأمر بضحية فلسطينية وجلاد "إسرائيلي".
إن التهديد "الإسرائيلي" بمقاضاة "نيويورك تايمز" يعكس حالة من الرعب الوجودي من فقدان السيطرة على السردية. لعقود، ظنت الماكنة الإعلامية للاحتلال أنها تملك حصانة مطلقة تمنع أي وسيلة إعلام غربية كبرى من تجاوز "الخطوط الحمراء". لكن عندما يفيض الكيل، وتصبح الجرائم من الوحشية بحيث لا يمكن لضمير حي كتمانها، تسقط هذه الحصانة، وتتحول أدوات الترهيب (مثل تهمة معاداة السامية الجاهزة) إلى أسلحة مستهلكة لم تعد تنطلي على أحد.
إن هذا المقال يضع الإنسانية جمعاء أمام مرآة الحقيقة العارية: إما الانحياز للضحية ومحاسبة المجرم، أو القبول بالعيش في عالم تحكمه غابة بلا قانون. إن صمت القبور الذي يلوذ به قادة الغرب تجاه اغتصاب الأسرى والأسيرات الفلسطينيين ليس مجرد عجز سياسي، بل هو تواطؤ وشراكة فعلية في الجريمة. لن يمحو التاريخ هذا العار، ولن تطمس التهديدات القضائية دماء ودموع الضحايا؛ فالصوت قد خرج من عقاله، وباتت الحقيقة تلاحق الجلاد في عقر دار حلفائه، ولن تهدأ حتى يساق المجرمون إلى المحاكم الجنائية الدولية التي يستحقونها.







