28 يونيو 2026|القاهرة 28 °

غزة... حين يصبح الوعي سلاحاً لا يُقهر

قراءة في الوعي الجمعي وصناعة الصمود

بقلم: د. إبراهيم رضوان
منذ 7 ساعة
10 دقائق قراءة
15 مشاهدة
قراءة في الوعي الجمعي وصناعة الصمود في غزة

قراءة في الوعي الجمعي وصناعة الصمود في غزة

مقدمة

بينما تنهمر القنابل على غزة، وتُحاصر المياه والغذاء، وتُزهق الأرواحُ في مشهد لا يعرف له التاريخ نظيراً في وحشيته، يبرز سؤال جوهري: كيف لشعب يُقصف بالحديد والنار أن يظل صامداً؟ بل كيف له أن يزداد إيماناً وبصيرة؟!! الإجابة التي تخفيها التقارير الإخبارية وتغفل عنها التحليلات السياسية، هي كلمة واحدة: الوعي. وعي سنني تاريخي، يقرأ الأحداث في سياقها الإلهي، ويميز بين لحظة الامتحان ولحظة التمكين، ويعرف أن النجاة ليست نهاية الطريق، بل بداية المسؤولية.

هذا المقال هو مجرد إضاءة متواضعة تستلهم روح مقالٍ قيِّم للدكتور محمد المدهون، أضاء فيه علاقات عاشوراء بسنن التاريخ، وأردنا أن نضيف إلى ذلك بُعداً آخر: بُعد الوعي الجمعي الذي صنعته غزة في محنتها، وجعلها استثناءً في تاريخ الأمم.

غزة في سياق السنن الإلهية

لا يمكن قراءة ما يحدث في غزة اليوم بعيداً عن سنن الله في التاريخ، فهي ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في مسيرة طويلة من صراع الإرادة والوجود بين الحق والباطل. وكما نجّى الله موسى وقومه من فرعون بعد مرحلة من الاستضعاف الشديد، فإن غزة تعيش اليوم امتحاناً مشابهاً، لكن العبرة ليست في النجاة وحدها، بل في القدرة على حمل مسؤولية ما بعد النجاة.

السنن الإلهية ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير، فهي تقول لنا إن الاستضعاف ليس نهاية الطريق، بل هو محطة اختبار للوعي الجمعي، وإن التمكين لا يأتي مجاناً، بل يحتاج إلى:

•    وعي يدرك حقيقة الصراع وأبعاده السياسية.
•    إرادة تحول الإيمان إلى فعل وصمود.
•    وحدة داخلية تحمي المجتمع من التفكك.
•    صبر يتجاوز اللحظة الآنية.

ماذا صنع الوعي في غزة؟

غزة اليوم رغم كل ما حل بها من دمار وإبادة وجوع وعطش، تتمتع بخصلة نادرة قلما عرفها الآخرون في محنهم، ألا وهي: الوعي الجمعي اليقظ، الذي لا تزيده المحن إلا إصراراً، ولا تزيده الجراح إلا بصيرة. وهذا الوعي له مظاهر واقعية وقانونية وسياسية لا تُحصى، تتجلى في تفاصيل صمودهم اليومي:

•    التمسك بالأرض: رفض واسع وقاطع لكل مشاريع التهجير أو تفريغ الأرض من سكانها، باعتبار ذلك جزءاً من معركة الوجود والهوية، ومحاولات التصفية الجيوسياسية للقضية الفلسطينية.

•    التكافل الاجتماعي: نشوء أنماط من التنظيم الذاتي في إدارة الإغاثة وتوزيع الموارد، بما يعكس قدرة المجتمع على إعادة إنتاج التضامن رغم شدة الحصار.

•    الحفاظ على الهوية: استمرار مظاهر التعليم الديني والمدني، وإحياء حلقات التعليم وحفظ القرآن، وإقامة الأنشطة التربوية في ظروف بالغة الصعوبة، بما يحفظ البنية الثقافية للمجتمع، حيث استمرت هذه الأنشطة بمبادرات تعليمية تطوعية في مراكز الإيواء وبين الأنقاض، في مشهد يعكس تمسك المجتمع بهويته رغم ظروف الحرب.

•    تفكيك السردية وتعرية المحتل: صياغة خطاب إعلامي متقدم يفكك الرواية الصهيونية ويفضحها قانونياً وأخلاقياً أمام العالم، بدلاً من الاكتفاء بمجرد رد الفعل العاطفي، وهو ما انعكس في اعتماد وسائل إعلام دولية، ومنظمات حقوقية، على المواد الميدانية التي وثقها الصحفيون والمواطنون داخل القطاع، ولم يعد التوثيق مجرد نقلٍ للحدث، بل أصبح أداةً قانونية لحفظ الأدلة، وإسناد الملفات المعروضة أمام الهيئات والمحاكم الدولية، بما يعكس انتقال الوعي من مقاومة الميدان إلى بناء الحجة القانونية.

•    العالمية واختراق الوعي الدولي: نجاح هذا الوعي في نقل الخطاب من النطاق المحلي إلى الفضاء الإنساني الرحب، مما أحدث تحولاً تاريخياً غير مسبوق في الرأي العام الدولي وحراكات الجامعات الغربية، وهو ما تجسد في اتساع رقعة التضامن الشعبي، وتصاعد الحراك الطلابي في الجامعات، وتزايد المطالبات بمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات أمام المحافل الدولية.

•    الوحدة الجبهوية والداخلية: تلاحم اجتماعي وسياسي نادر بين أبناء الشعب الواحد، تكسرت عليه كل مخططات الوقيعة، وبث الفتنة، وتفريق الصف، فقد برزت مبادرات أهلية لإيواء الأسر النازحة، وتقاسم الغذاء والماء، ورعاية الأيتام والجرحى، في صور جسدت تماسك النسيج الاجتماعي رغم قسوة الظروف.

لقد صنعت غزة من دمائها حبراً، ومن أنقاضها منارة، ومن جوعها عزيمة، ومن عطشها يقيناً. إنها تعيش معركة وعي بامتياز، وهي تدرك أن النصر لا يتحقق إلا بثبات العقيدة، ووحدة الصف، واستعداد النفس، والأخذ بكل أسباب القوة الممكنة سياسياً وقانونياً وميدانياً. هذا الوعي الذي تتجلى مظاهره اليوم في تفاصيل الحياة اليومية، لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تشكّل تاريخي عميق، يمكن تتبعه عبر مجموعة من المصادر الأساسية التي أسهمت في بنائه.

كيف تكوَّن هذا الوعي؟

إن الوعي الذي تتميز به غزة لم ينشأ فجأة، ولم يكن نتيجة ظرف عابر، بل هو حصيلة تراكمات طويلة تشكلت عبر عدة مصادر متداخلة، صاغت الشخصية الجمعية وصنعت هذا الصمود الفريد:

أولاً: الأسرة

تشكل الأسرة الفلسطينية في غزة الحاضنة الأولى للوعي، حيث تنتقل مفاهيم الصبر والثبات والانتماء من جيل إلى جيل، وتُغرس في الأبناء منذ الطفولة معاني الأرض والهوية والحق التاريخي، مما جعل الوعي جزءاً من البناء التربوي اليومي وليس مجرد موقف سياسي طارئ.

ثانياً: المسجد

لعب المسجد دوراً محورياً في تشكيل الوعي، ليس فقط كمكان للعبادة، بل كمركز للتربية والتوجيه وبناء المعنى الجمعي، حيث ارتبط الخطاب الديني بالهوية والمقاومة والصبر، فكان المسجد مدرسة لصناعة الإنسان الواعي بقضيته ومصيره.

ثالثاً: التجربة التاريخية

التاريخ الفلسطيني الممتد من النكبة إلى الحصار والحروب المتكررة، شكّل ذاكرة حية لا تسمح بالنسيان، وجعلت التجربة نفسها مصدراً دائماً لإعادة إنتاج الوعي، حيث يتحول الألم إلى درس، والمعاناة إلى إدراك أعمق لطبيعة الصراع.

رابعاً: الذاكرة الجماعية

تراكم الأحداث في الوعي الجمعي جعل من التجربة الفلسطينية تجربة متصلة لا منفصلة، تجعل كل جيل أكثر إدراكاً وقدرة على فهم أن ما يجري جزء من سياق طويل ممتد، لكونه يقرأ ما يمر به في ضوء ما سبقه.

خامساً: تكرار الحروب

الخبرة المتراكمة الناتجة عن تكرار الحروب أسهمت في صقل الإدراك العام وإعادة تشكيلة، وتعزيز القدرة على التمييز بين السياقات المختلفة للأحداث وكشف طبيعة الصراع، وإعادة إنتاج الفهم في كل مرحلة جديدة، مما جعل المجتمع أكثر خبرة في التعامل مع الأزمات.

سادساً: الثقافة الوطنية

أسهمت الثقافة الوطنية الفلسطينية، بكل ما تحمله من أدب وأناشيد ورموز وشعارات وهوية جامعة، في ترسيخ هذا الوعي، حتى أصبح جزءاً من الوجدان العام وليس مجرد خطاب نخبوي، بل ثقافة شعبية حية تُمارس في الحياة اليومية.

وهكذا، لم يكن الوعي في غزة نتيجة خطاب يُلقّن، بل حصيلة حياة كاملة تُعاش تحت الضغط، فتتحول التجربة إلى إدراك، والمعاناة إلى بصيرة، والواقع إلى مدرسة دائمة لصناعة الوعي. ومن خلال هذا التكوين المتعدد المصادر، يمكن فهم لماذا لم يكن الوعي في غزة موقفاً عابراً، بل بنية راسخة أعادت تشكيل السلوك الجمعي في كل لحظة اختبار. 

ولم يتوقف أثر هذا التكوين عند البعد الاجتماعي والثقافي، بل امتد ليأخذ أبعاداً أعمق في الوعي السياسي والقانوني المتزايد بطبيعة الصراع، حيث باتت الأجيال الفلسطينية أكثر إدراكاً لأهمية توثيق الانتهاكات، وبناء الرواية القانونية أمام المحافل الدولية، واستخدام أدوات القانون الدولي الإنساني في توصيف ما يجري على الأرض. وهذا التحول من الوعي العاطفي إلى الوعي القانوني يعكس نضجاً في إدراك طبيعة الصراع، وانتقالاً من مجرد التفاعل مع الحدث إلى محاولة التأثير في مساره على المستوى الدولي.

لماذا غزة استثناء؟

الكثير من الأمم مرت بمحطات استضعاف، لكنها حين نجت، وقعت في فخاخ الانحراف والتراجع، فطلبت آلهةً غير الله، أو اختارت التيه بدل الطريق، وقبلت بالمساومات السياسية التي تهدر الحقوق التاريخية مقابل وعود وهمية. 

أما غزة، ورغم ما قد يعتري أي مجتمع يعيش حرباً طويلة من أخطاء وتحديات، فإن الصورة العامة بقيت تعكس تمسك غالبية واسعة بالثوابت الوطنية ورفضاً للتفكك الداخلي، لقد كان وعيها هو الضمانة التي حمتها من التيه بعد النجاة، والسبب الذي جعل صمودها يتحول إلى نموذج يُحتذى، لا إلى ذكرى تُنسى. 

هذا هو السر الذي يميز غزة عن غيرها: أنها لم تنتظر النجاة كي تبدأ، بل بدأت وهي في قلب المحنة، وبنَت وعيها القانوني والسياسي وهي تحت القصف، ورسّخت هويتها وهي تجوع وتظمأ، ووحّدت صفوفها وهي تواجه الموت في كل لحظة، لتفرض قضيتها مجدداً في الوعي الدولي، على المحاكم والمحافل الدولية كقضية " تحرر وطني" لا مجرد أزمة إنسانية تستدعي الإغاثة.

الخلاصة: الوعي هو السلاح الأبقى 

إن ما يجري في غزة اليوم يؤكد حقيقة سننية ثابتة: الأمم لا تُهزم حين تُقهر ماديّاً، بل حين تعجز عن فهم سنن النهوض، وتفقد وعيها بذاتها وبحقها. ومن هنا، واجه الوعي في قطاع غزة محاولات " الشرعنة الدولية " للعدوان، من خلال التمسك الصارم بحق الشعوب المُحتلة في تقرير مصيرها ومقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة، فحمايتها لوعيها حماية لوجودها التاريخي.

خاتمة

غزة اليوم ليست مجرد مدينة تُقصف، بل هي رسالة مكتوبة بالدم على جبين الزمان: أن الأمة التي تعي سنن الله في الكون لا تُهزم، وأن الاستضعاف مهما طال فهو مؤقت، وأن النصر ليس غائباً، بل هو محتاج إلى وعي يستحقه، وجهاد يليق به، واستخلاف يُؤتمن عليه. 

إن غزة واعية، وستبقى واعية، وستعبر من ضيق الاستضعاف إلى سعة التمكين بإذن الله، حين تجمع بين يقين القيادة واستعداد الجماعة، وحين تدرك أن النجاة ليست نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية الاستخلاف التي لا تقوم إلا بوعي حقيقي، وجهاد دؤوب، وإخلاص لله ثم للأرض والعرض. لقد أثبتت غزة أن الوعي ليس ترفاً فكرياً، بل هو أول أسلحة البقاء، وآخر ما يستطيع الاحتلال انتزاعه من شعب يؤمن بعدالة قضيته.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم رضوان

كاتب وباحث في الشؤون القانونية والسياسية، ومستشار قانوني ومدير عام المجلس التشريعي الفلسطيني سابقاً

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

غزة... حين يصبح الوعي سلاحاً لا يُقهر - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°