﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 49)
في يوم عاشوراء تتجلى سنن الله في التاريخ، قوانين ثابتة تحكم صراع الحق والباطل، لا باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل مسارًا ممتدًا تتكرر فيه الدلالات وتختلف فيه الأزمنة والوقائع. ففي هذا اليوم نجّى الله موسى عليه السلام ومن معه من بطش فرعون، بعد مرحلة طويلة من الاستضعاف والقهر، لتتحول لحظة النجاة إلى علامة فارقة بين زمنين: زمن الاستعباد وزمن الإمكان التاريخي الجديد.
لقد كان ما قبل النجاة امتحانًا عميقًا للوعي الجمعي، واختبارًا لقدرة الأمة المؤمنة على الانتقال من حالة العجز إلى شروط الفعل والاستخلاف. ومن هنا فإن النجاة لم تكن نهاية القصة، بل بداية تحول سنني:
• من الاستضعاف إلى التمكين التدريجي
• ومن الحماية الإلهية إلى مسؤولية الاستخلاف
• ومن الخلاص اللحظي إلى بناء التاريخ
وهذا التحول لا يقع تلقائيًا، بل تحكمه سنن قرآنية واضحة في الأخذ بالأسباب، وإعادة بناء الجماعة، وصناعة الوعي الجديد.
وفي لحظة التحدي الكبرى، ارتفع يقين موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62). يقين قائدٍ نبيٍّ يتلقى الوحي، بينما كانت الجماعة في مستوى آخر من الإدراك والتجربة. وهنا يظهر البعد السنني: أن الفارق بين يقين القيادة واستعداد الجماعة هو ما يحدد قدرة الأمة على العبور من لحظة النجاة إلى مرحلة البناء.
إن إدراك نهاية الطغيان شيء، أما القدرة على إدارة ما بعده فشيء آخر أشد تعقيدًا. فكثير من الجماعات تنجو من الاستضعاف، لكنها تفشل في إدارة مرحلة ما بعد النجاة، لأنها لم تُبنَ على شروط الاستخلاف. وهنا يتجلى المعنى العميق لعاشوراء: أنه ليس مجرد ذكرى نجاة، بل تذكير بأن النصر الحقيقي لا يكتمل إلا بانتقال الأمة إلى مشروع بناء واعٍ ومتماسك.
وحين اختلّت شروط الاستخلاف في بني إسرائيل بعد النجاة، ظهر الانحراف والتراجع:
﴿قَالُوا لِمُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: 138)
﴿قَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء: 153)
﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا... فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة: 24)
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 93)
فكانت النتيجة السننية الحتمية:
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (المائدة: 26)
يكشف عاشوراء أن سنن الله في التغيير لا تقف عند حدود المعجزة، بل تبدأ بعدها مسؤولية الإنسان؛ فغرق فرعون كان ختام مرحلة النجاة الخارقة، أما ما بعدها فكان افتتاح طريق الجهاد والبناء والاستخلاف. لم يكن المطلوب من الأمة انتظار الخوارق، وإنما حمل الرسالة والأخذ بالأسباب. فمن استجاب لسنن الله نال النصر، ومن نكص واستراح إلى الخوف والدنيا وقع في التيه والاستبدال. وهكذا انتقلت الأمانة إلى أمة محمد ﷺ لتواصل مسيرة الجهاد والإعمار وإقامة العدل، فيبقى عاشوراء إعلانًا متجددًا أن الطغيان إلى زوال، وأن النصر وعدٌ لمن يجمع بين الإيمان والعمل، والصبر والأخذ بالأسباب، حتى تتحقق إرادة الله في تمكين المستضعفين وإقامة الحق.
وهنا يتجلى القانون القرآني الصارم: أن الاستضعاف إذا لم يتحول إلى استعداد للاستخلاف، يتحول إلى تيه تاريخي وفقدان للبوصلة الحضارية.
إن السنن الإلهية لا تتغير:
• لا ينجو شعب بلا وعي
• ولا يُمكَّن قوم بلا استعداد
• ولا تقوم حضارة بلا شروط أخلاقية وتنظيمية ومعرفية
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
وفي هذا السياق السنني، تُقرأ غزة لا بوصفها حدثًا معزولًا، بل بوصفها جزءًا من حركة تاريخية أوسع في صراع الإرادة والوجود. فهي تعيش مرحلة استضعاف شديد، واختبار وعي جماعي قاسٍ، ومحاولة مستمرة للعبور نحو شروط الصمود والاستخلاف. وهنا يصبح المعنى السنني هو الأهم: أن النجاة ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
إن عاشوراء ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل لحظة وعي سنني تقول: إن الله ينجي المستضعفين، لكن التاريخ لا يُبنى بالنجاة وحدها، بل بالقدرة على حمل مسؤولية ما بعدها. فمن وعى سنن الخروج من الاستضعاف إلى الاستخلاف، أدرك أن الأمم لا تُهزم حين تُقهر، بل حين تعجز عن فهم سنن النهوض بعد النجاة.










