بين الخامس من حزيران/يونيو 1967 والسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تمتد ستة عقود تقريبًا من الصراع المفتوح، لكنها تختزل في جوهرها معركة واحدة لم تتوقف بين مشروع استعماري إحلالي يسعى إلى فرض وقائعه بالقوة، وشعب يتمسك بحقه التاريخي والوطني رغم تبدل الموازين وتعاقب الهزائم والانتكاسات. وإذا كانت نكسة حزيران قد شكّلت ذروة التفوق العسكري الإسرائيلي وأنتجت لحظة عربية مثقلة بالإحباط، فإن "طوفان الأقصى" أعاد فتح الأسئلة الكبرى حول حدود القوة العسكرية، وقدرة الشعوب على قلب المعادلات عندما تتحول الإرادة إلى فعل مقاوم.
في الذكرى التاسعة والخمسين للنكسة، لا تبدو المقارنة بين حزيران 1967 وغزة اليوم مجرد استحضار للتاريخ، بل قراءة لمسار كامل من الصراع. ففي عام 1967 سقطت القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان خلال أيام قليلة، وبدت المنطقة وكأنها تدخل عصر الهيمنة الإسرائيلية المطلقة. لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل حملت آثارًا سياسية ونفسية وثقافية عميقة، دفعت قطاعات واسعة من النخب العربية إلى مراجعة مفاهيم التحرير والمواجهة، وفتحت الباب أمام مشاريع التسوية والاعتراف بالأمر الواقع.
غير أن ما لم تستطع النكسة تحقيقه هو كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو إنهاء حضوره السياسي والوطني. فبعد عقود من الاحتلال والاستيطان والحروب ومحاولات التصفية، بقي الفلسطينيون متمسكين بأرضهم وحقوقهم الوطنية، وأثبتوا أن تفوق القوة العسكرية لا يتحول تلقائيًا إلى انتصار سياسي أو تاريخي دائم. فالاحتلال نجح في السيطرة على الأرض، لكنه أخفق في السيطرة على الوعي أو انتزاع شرعية وجوده من أصحاب الأرض الأصليين.
لقد أفرزت النكسة، على نحوٍ مفارق، ديناميات مقاومة جديدة. فتصاعدت الحركة الوطنية الفلسطينية، وتنامى العمل الفدائي، وتحولت القضية الفلسطينية من ملف عربي رسمي إلى قضية تحرر وطني تتصدر المشهد الإقليمي والدولي. ورغم محاولات الاحتواء والتهميش والتفكيك التي تعرضت لها قوى المقاومة على امتداد العقود اللاحقة، فإن جذوة الكفاح لم تنطفئ، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة تبعًا لتحولات الواقع السياسي والميداني.
ومع توقيع اتفاقيات أوسلو، بدا أن المشروع الوطني الفلسطيني يدخل مرحلة جديدة عنوانها التسوية السياسية. غير أن السنوات اللاحقة كشفت حدود هذا المسار، في ظل استمرار الاستيطان وتهويد الأرض وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبينما راهنت إسرائيل على أن الزمن كفيل بإضعاف القضية الفلسطينية وتحويلها إلى ملف إداري وأمني، كانت بيئات المقاومة تعيد بناء نفسها، خصوصًا في قطاع غزة الذي تحول تدريجيًا إلى مركز ثقل في معادلة الصراع.
جاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ليشكّل لحظة فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية. فعملية "طوفان الأقصى" لم تكن مجرد حدث عسكري أو أمني، بل مثّلت تحولًا استراتيجيًا أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وكشف هشاشة كثير من الفرضيات التي بُنيت عليها السياسات الإسرائيلية والإقليمية خلال العقود الماضية. كما أعادت طرح سؤال الصراع بوصفه قضية تحرر وطني لم تُحسم بعد، مهما تعددت مشاريع التطبيع والتسوية.
ومن قلب المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة، تبرز المفارقة الأكثر دلالة في هذا الصراع. ففي حين انهزمت جيوش عربية نظامية خلال ستة أيام في حرب حزيران، تصمد غزة المحاصرة منذ أكثر من سنتين في مواجهة واحدة من أعنف الحملات العسكرية في التاريخ الحديث. ورغم الدمار الهائل وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتفكك البنية العمرانية والاقتصادية، لم يتحقق الهدف السياسي المركزي للحرب والمتمثل في كسر إرادة الفلسطينيين أو دفعهم إلى التخلي عن روايتهم الوطنية.
وهنا يتجاوز مفهوم الصمود بعده العسكري المباشر ليصبح ظاهرة سياسية وتاريخية. فالقوة ليست مجرد تفوق في السلاح والتكنولوجيا، بل قدرة على فرض الإرادة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، تبدو المعركة مفتوحة على نتائج أكثر تعقيدًا من الحسابات العسكرية التقليدية، لأن الشعوب لا تُهزم فقط بخسارة الأرض أو بتدمير المدن، وإنما عندما تفقد إيمانها بحقها في المستقبل.
اليوم تبدو المنطقة أمام مشهد مختلف عما كان عليه الحال بعد نكسة 1967. فـ"إسرائيل"، رغم تفوقها العسكري الساحق، تواجه تحديات متزايدة على المستويات السياسية والأمنية والأخلاقية. والقضية الفلسطينية، التي سعت مشاريع عديدة إلى تهميشها أو تجاوزها، عادت لتفرض نفسها على الأجندة الدولية بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير.
من هنا، لا يمكن قراءة "طوفان الأقصى" بمعزل عن المسار التاريخي الذي بدأ مع النكسة وما تلاها من تحولات. فالحدثان يمثلان محطتين متباعدتين زمنياً، لكنهما يكشفان حقيقة واحدة: أن الصراع لم يُحسم، وأن إرادة الشعوب تبقى العامل الأكثر تأثيرًا في معادلات التاريخ، مهما بلغت اختلالات القوة.
وفي ذكرى النكسة، وبينما تتعرض غزة لمحرقة مستمرة تهدف إلى كسرها وإخضاعها، تظل البوصلة الفلسطينية متجهة نحو المعنى ذاته الذي حافظ على حضور القضية طوال العقود الماضية: حق شعب في الحرية والكرامة والوجود، وإصراره على البقاء فاعلًا في صناعة مستقبله مهما اشتدت العواصف.










