لا يمكن قراءة التصعيد الأخير في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه تركيا بوصفه مجرد امتداد لحرب التصريحات السياسية مع الرئيس رجب طيب أردوغان، أو باعتباره انعكاساً للخلافات التقليدية بين أنقرة وتل أبيب. فالمؤشرات الاستراتيجية توحي بأن إسرائيل بدأت تنظر إلى تركيا باعتبارها تحدياً طويل الأمد لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وليس مجرد خصم سياسي في ملف بعينه.
فبعد أن انخرطت إسرائيل خلال العامين الماضيين في ساحات متعددة امتدت من غزة ولبنان إلى إيران، تبدو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منشغلة اليوم بجبهة مختلفة في طبيعتها. إنها جبهة لا تُقاس بحجم العمليات العسكرية أو عدد الصواريخ، وإنما بقدرة الدول على إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، والتأثير في موازين القوى الإقليمية خلال العقود المقبلة.
ضمن هذا السياق، لا يقتصر الاعتراض الإسرائيلي على احتمال موافقة الولايات المتحدة على إعادة إدماج تركيا في برنامج مقاتلات F-35 أو بيعها هذه المقاتلات، باعتباره خلافاً يتعلق بصفقة تسليح فحسب. فمنذ عقود، يقوم المفهوم الأمني الإسرائيلي على مبدأ الحفاظ على التفوق العسكري النوعي، ولا سيما في المجال الجوي، باعتباره الركيزة الأساسية لسياسة الردع الإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق، ترى تل أبيب أن امتلاك تركيا لهذه المنظومة سيعني ظهور قوة إقليمية تجمع بين الإرادة السياسية، والقدرات العسكرية المتقدمة، والقاعدة الصناعية الدفاعية المتنامية، بما يمنح أنقرة قدرة أكبر على التأثير في مسار التوازنات العسكرية في شرق المتوسط وسوريا والشرق الأوسط. ولهذا يسعى نتنياهو إلى إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم المضي في أي ترتيبات قد تعيد لأنقرة هذه القدرات، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية بأن ذلك قد يغيّر جانباً مهماً من معادلة الردع التي حرصت واشنطن على المحافظة عليها لعقود.
غير أن ملف F-35 لا يمثل سوى أحد مظاهر القلق الإسرائيلي، وليس جوهره.
فالقراءة الإسرائيلية تشير إلى أن الحرب مع إيران، رغم ما أحدثته من استنزاف كبير، لم تحقق حتى الآن حسمًا استراتيجياً كاملاً، ولم تنجح في إنهاء النفوذ الإيراني بالصورة التي كانت تتطلع إليها تل أبيب. كما أن انتقال جانب من المواجهة إلى محيط مضيق هرمز أظهر أن البيئة الإقليمية ما زالت قابلة لإنتاج مراكز قوة جديدة، وهو ما يدفع إسرائيل إلى التفكير في مرحلة ما بعد إيران بقدر تفكيرها في إدارة المواجهة الحالية معها.
وفي هذا الإطار، تبدو تركيا في الحسابات الإسرائيلية المرشح الأبرز لملء جزء من الفراغ الاستراتيجي الذي قد ينشأ نتيجة تراجع النفوذ الإيراني في بعض ساحات الإقليم.
ولا تنظر المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل إلى الرئيس رجب طيب أردوغان باعتباره منافساً إقليمياً فحسب، بل باعتباره قائداً لدولة تمتلك مقومات تجعلها مختلفة عن الخصوم التقليديين لإسرائيل. فتركيا ليست دولة معزولة أو خاضعة لعقوبات دولية، وإنما عضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي، وصاحبة ثاني أكبر جيش داخل الحلف، وشريك استراتيجي للولايات المتحدة في ملفات أمنية عديدة، فضلاً عن امتلاك قيادتها قنوات اتصال مباشرة مع الإدارة الأمريكية، بما في ذلك الرئيس دونالد ترامب.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذه المعطيات تجعل أي تحول في ميزان القوة مع أنقرة أكثر تعقيداً من المواجهات التي خاضتها إسرائيل مع أطراف إقليمية أخرى، لأن المنافس هذه المرة يجمع بين الشرعية الغربية، والقدرات العسكرية، والقاعدة الصناعية الدفاعية، والوزن الجيوسياسي، والقدرة على توظيف أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد.
ويزداد هذا التقييم أهمية مع انتقال التنافس التركي الإسرائيلي من مستوى الخلاف السياسي إلى ساحات الاحتكاك الجيوسياسي المباشر.
ففي شرق المتوسط يتجسد التنافس في ملفات ترسيم الحدود البحرية والطاقة وطرق النقل، بينما يتخذ في سوريا بعداً يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الأمنية والنفوذ الإقليمي بعد تراجع الدور الإيراني، في حين يمتد إلى المجالين القانوني والدبلوماسي عبر التحركات التركية في المؤسسات والمحاكم الدولية بشأن الحرب في غزة، وما ترتب عليها من ضغوط سياسية وقانونية متزايدة على إسرائيل.
وفي المقابل، تنظر أنقرة إلى التعاون الأمني والاستراتيجي بين إسرائيل واليونان وقبرص، وخاصة في ملفات الطاقة وشرق المتوسط، باعتباره جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بطريقة تحد من المجال الحيوي التركي وتفرض وقائع استراتيجية جديدة على حساب المصالح التركية.
أما الساحة السورية، فتحتل موقعاً محورياً في الحسابات الأمنية للطرفين.
فمن وجهة النظر الإسرائيلية، لا يقتصر الحضور التركي في سوريا على اعتبارات الأمن الحدودي أو مكافحة التنظيمات المسلحة، وإنما يمثل مشروعاً لإعادة بناء نفوذ إقليمي يمتد من الشمال السوري إلى شرق المتوسط، بما يمنح أنقرة ثقلاً استراتيجياً متزايداً في مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي. ولهذا تنظر تل أبيب إلى هذا المشروع باعتباره جزءاً من رؤية أوسع تعتبرها امتداداً لما تصفه بخيار “العثمانية الجديدة”، مقروناً برغبة تركيا في توسيع نفوذها السياسي والإقليمي.
وفي البعد الجيو-اقتصادي، تتجاوز المنافسة الاعتبارات العسكرية لتدخل نطاق السيطرة على شبكات التجارة والطاقة العالمية.
فإسرائيل، بدعم أمريكي، تراهن على مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا باعتباره أحد البدائل الاستراتيجية المستقبلية التي يمكن أن تعيد رسم حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأن تمنحها موقعاً محورياً في منظومة النقل والطاقة الدولية.
في المقابل، تعمل تركيا، بالشراكة مع العراق، على تطوير مشروع طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو بالأراضي التركية وصولاً إلى أوروبا، في محاولة لترسيخ موقعها باعتبارها العقدة الجغرافية الرئيسية بين الخليج وأوروبا.
ولا يقتصر التنافس بين المشروعين على اختيار أفضل مسار للنقل، بل يعكس صراعاً أوسع حول من سيحتكر موقع القلب الجيوسياسي للمنطقة، ومن سيمتلك القدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وشبكات الطاقة، والتحالفات الاقتصادية والأمنية المرتبطة بها.
لذلك، تبدو الجبهة التركية في الحسابات الإسرائيلية مختلفة عن بقية الجبهات.
فهي ليست ملفاً أمنياً عابراً، ولا ورقة انتخابية يستخدمها نتنياهو في الداخل الإسرائيلي فحسب، وإنما تمثل تحدياً استراتيجياً يرتبط بمرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
كما أن تعقيد هذا المشهد يزداد مع التراجع النسبي في مكانة حكومة نتنياهو داخل بعض دوائر صنع القرار الأمريكية، وما يرافقه من نقاشات متزايدة حول مستقبل السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، الأمر الذي يفرض على إسرائيل إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية المحيطة بها في ضوء المتغيرات الجديدة.
وعليه، فإن جوهر التنافس بين تركيا وإسرائيل لا يتمثل في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما في طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل خلال السنوات المقبلة.
فأنقرة توسع حضورها عبر بناء النفوذ، وتعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير التحالفات، والاستفادة من موقعها الجغرافي، وإطلاق مشاريع الربط الاقتصادي، والحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع الغرب، بينما تعمل إسرائيل على تثبيت تفوقها العسكري وتوسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية وربط أمنها بمشروعات التجارة والطاقة العابرة للقارات.
ومن ثم، فإن جبهة تركيا، في الرؤية الإسرائيلية، لم تعد مجرد جبهة خلاف سياسي، بل أصبحت ساحة تنافس استراتيجي على قيادة التوازنات الإقليمية، في وقت لم تُحسم فيه بعد نتائج المواجهة مع إيران، ولم يتحدد بصورة نهائية شكل النظام الإقليمي الذي سيخلف مرحلة تراجع نفوذها، وفق الرؤية التي تتبناها الولايات المتحدة وإسرائيل.









