أزمة حوكمة لا أزمة تحكيم، فلماذا يفقد الفيفا مصداقيته لحظة تلو الأخرى؟، وكيف تحوّلت تقنية الـVAR من أداة لتصحيح الخطأ إلى أداة لصناعته؟
أسئلة جمة تراحم عقولنا جميعاً، حتى هُم شياطين الفيفا والسلسة الهررة. فمن "دهسة" عطية إلى "شدّة" صلاح، كُشفت خارطة ازدواجية المعايير في كأس العالم 2026، بعد تأميمها اقتصادياً وتسييسها سياسياً من قبل تجار العملات المشفرة وفضائح إدارة البيت الأبيض وخصخصته، لنرى قبل الصافرة وبعدها، من يملك حق تفسير اللحظة الحاسمة؟. فليست الحوكمة أن تُغرق الرأي العام في حبارير التفسيرات، بل أن تكشف المبدأ الذي يحكم جميع القرارات دون استثناء.
عدالة منقوصة:
قال الفيلسوف اليوناني أرسطو، قبل أكثر من ألفي عام، إن جوهر العدالة لا يكمن في تطبيق القانون، بل في تطبيقه على الجميع بالميزان ذاته دون استثناء لأحد. هذه الفكرة البسيطة، التي بُنيت عليها كل أنظمة الحوكمة الحديثة بمؤسساتها، هي بالضبط ما سقط أرضاً مساء مباراة مصر والأرجنتين في دور ال (16) من كأس العالم 2026، فلم تكن المشكلة أن الحكم أخطأ أو تمادى فيه؛ فالخطأ البشري وارد ومقبول في أي منظومة، لكن المشكلة أن الخطأ تكرر في اتجاه واحد، وبنمط واحد، في أربع لحظات فاصلة، حتى بات من الصعب تصنيفه "خطأً" بالمعنى الإحصائي البحت.
حين تتحول التقنية إلى سلطة تفسيرية تكون اللحظة الحاسمة
جاءت تقنية الحكم المساعد بالفيديو إلى كرة القدم بوعد واحد: تقليص هامش الخطأ البشري، لا استبداله بهامش تفسير أوسع، لكن ما جرى في هذه المباراة كشف عن فجوة بنيوية في هذا الوعد، فحين أُلغي هدف مصطفى زيكو في الدقيقة 58 بادعاء التحام بسيط في منتصف الملعب، بينما مرت التحامات أشد منه دون مراجعة طوال وقت المباراة، لم تعد القضية قضية "تقنية" بل قضية "سلطة تقديرية" تُمنح لطاقم بعينه دون أي معايير ثابتة يمكن قياسها أو الطعن فيها.
الأخطر أن هذا النمط تكرر في اللحظة الأكثر حساسية، لاسيما في الدقائق الأخيرة من الشوط الثاني، حين لم يُستدعَ الحكم لمراجعة الاحتكاك الواضح الذي تعرض له محمد صلاح داخل منطقة الجزاء، قبل أن تنطلق الهجمة التي حسمت المباراة لصالح الأرجنتين، وبالتالي فغياب الاتساق بين معالجة اللقطتين، الأولى ضد مصر والثانية لصالح الأرجنتين، لا يمكن تفسيره منهجياً إلا بأحد احتمالين: إما ضعف تدريبي حقيقي في طاقم التحكيم، أو غياب إرادة مؤسسية لتطبيق معيار واحد على الجميع، وهو ما ظهر بالتدخلات الخارجية والمشهودة. وكلا الاحتمالين يشكل أزمة أعمق من مباراة واحدة.
غياب الحوكمة: من يراقب المراقب؟
هنا يكمن جوهر الأزمة الاستراتيجية التي يتجنب الفيفا مواجهتها منذ سنوات: من يحاسب غرفة الـVAR؟، في أي منظومة حوكمة رشيدة، تخضع السلطة التنفيذية لرقابة مستقلة، وتُنشر تقارير الأداء، وتُتاح آليات الطعن. أما في حالة تحكيم كرة القدم العالمية، فطاقم الفيديو يعمل كصندوق أسود: لا تُنشر تسجيلات المحادثات الداخلية بشكل منهجي، ولا تخضع القرارات لمراجعة مستقلة فورية، ولا يُحاسَب الحكم إلا بعقوبة إدارية مؤجلة لا تغيّر النتيجة ولا تُنصف المتضرر. فقد كان حُبور الفائز مشروعًا، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب حق الخاسر في المطالبة بالشفافية والاتساق في تطبيق القانون.
هذا الغياب المؤسسي للمساءلة الفورية هو ما يحوّل كل مباراة كبرى إلى مقامرة بمصداقية اللعبة ذاتها. فحين يملك طاقم من أربعة أو خمسة أشخاص سلطة حسم مصير منتخب كامل، دون أن يكون قراره قابلاً للتفنيد في الوقت الحقيقي، تتحول "العدالة الرياضية" إلى مجرد شعار تسويقي لا مضمون حوكمي خلفه.
تحكيم الأمس أزمة اليوم.. وأفق الغد
|
المحور |
الماضي (ما قبل الـVAR) |
الحاضر (2026) |
المستقبل المقترح |
|
مصدر القرار |
حَكم واحد بشرياً بالكامل |
حَكم + غرفة فيديو دون شفافية كافية |
نظام هجين: ذكاء اصطناعي مساعد + بث حي للمراجعات |
|
قابلية المراجعة |
غير قابل للمراجعة إطلاقاً |
مراجعة انتقائية غير منضبطة بمعيار ثابت |
مراجعة إلزامية لكل لحظة حاسمة وفق عتبة موضوعية |
|
الشفافية |
معدومة |
جزئية (إعلان القرار دون تسجيل الحوار) |
نشر كامل للتواصل الصوتي فور انتهاء المباراة |
|
المساءلة |
غير موجودة |
عقوبات إدارية مؤجلة لا تُنصف المتضرر |
تقييم علني فوري + آلية طعن رسمية سريعة |
|
ثقة الجمهور |
مبنية على القبول بالخطأ البشري |
متآكلة بسبب توقعات لم تتحقق |
مرهونة بإصلاح بنيوي حقيقي لا تجميلي |
هذا الجدول يوضح أن المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في غياب البنية المؤسسية التي تجعل التقنية أداة عدل حقيقية لا أداة تجميل لقرارات قابلة للطعن.
الأرقام لا تكذب... لكنها تُدار
إن العدالة إذا بدت متقلبة في نظر الجماهير، فإنها تفقد هيبتها، وكأنها حبارير لا تستقر على حال، بينما الأصل في القانون أن يكون ثابتًا لا يتلون بتغير الظروف، فقد أعلن الفيفا رسمياً، عقب إدخال تقنية الـVAR في بطولات سابقة، أن نسبة دقة القرارات الحاسمة ارتفعت إلى ما يقارب 99% وفق تقاريره الخاصة.
لكن هذه النسبة، وإن كانت صحيحة إحصائياً، تصمت عن سؤال أهم: من يقرر أي اللقطات تستحق المراجعة أصلاً؟ فالدقة في تنفيذ القرار لا تعني عدالة في اختيار اللحظة التي يُطبَّق عليها هذا القرار. وهنا يكمن مكمن الخلل الحقيقي: إحصائية النجاح التقني تُخفي أزمة انتقائية في التطبيق، وهي أزمة لا تظهر في أي تقرير رسمي لأن الفيفا هو من يكتب التقرير عن نفسه.
سؤال لا بد منه: هل تتحكم مصالح تجارية كبرى في لحظات الحسم؟
من الإنصاف المنهجي القول إنه لا يوجد حتى اللحظة أي دليل مباشر يربط قرارات التحكيم في هذه المباراة بأي جهة سياسية أو تجارية بعينها. غير أن غياب الدليل المباشر لا يُسقط السؤال الاستراتيجي الأوسع: في بطولة تُقام على الأرض الأمريكية، وتُدار بعقود رعاية ضخمة، وتُبنى جداولها الزمنية وفق حسابات تجارية دقيقة تخدم أسواق البث الأكبر عالمياً، هل تبقى اللحظة الحاسمة في الملعب بمنأى تام عن هذه المنظومة الاقتصادية الهائلة المحيطة بها؟
هذا سؤال حوكمة، لا اتهام. فحين تتضخم المصالح التجارية المحيطة ببطولة رياضية إلى هذا الحد، يصبح من واجب أي مؤسسة رياضية عالمية أن تُثبت استقلالية قرارها بالشفافية الكاملة، لا أن تكتفي بالتأكيد اللفظي على النزاهة. والفيفا، بصمته المعتاد أمام كل أزمة تحكيمية كبرى، يترك الباب مفتوحاً أمام هذا التساؤل المشروع بدل أن يُغلقه بالأدلة.
الاقتصاد الرياضي وتضخم الشكوك
تحولت كرة القدم إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والتسويق، ومع تضخم هذه المصالح، أصبح من الطبيعي أن يزداد تدقيق الجماهير في كل قرار مؤثر، وهنا يبرز سؤال مشروع يجب أن يُطرح على مستوى الحوكمة، لا على مستوى الاتهام: هل أصبحت البيئة التجارية المحيطة بكرة القدم تستوجب مستويات أعلى من الشفافية والاستقلالية حتى لا تتضخم الشكوك في لحظات الحسم؟
هذا السؤال لا يعني وجود دليل على تدخل مصالح تجارية في قرارات الحكام، ولا يبرر القفز إلى استنتاجات من هذا النوع. لكنه يسلط الضوء على حقيقة أن كلما ارتفعت القيمة الاقتصادية للبطولات، ارتفعت معها مسؤولية المؤسسات عن بناء الثقة عبر الإفصاح والرقابة.
من الماضي إلى المستقبل
|
المرحلة |
طبيعة القرار |
مصدر الثقة |
التحدي |
|
قبل الـVAR |
تقدير حكم الساحة |
قبول الخطأ كجزء من اللعبة |
محدودية زوايا الرؤية |
|
عصر الـVAR |
قرار بشري مدعوم بالتقنية |
الدقة التقنية |
غياب الاتساق والشفافية في التفسير |
|
المرحلة المقبلة |
حوكمة رقمية أكثر انفتاحًا |
الشفافية والمساءلة ونشر مبررات القرارات |
تحقيق التوازن بين سرعة القرار وثقة الجمهور |
وقفة:
قد تنتهي مباراة بخسارة فريق أو فوزه، لكن أثرها الحقيقي يبقى في الذاكرة إذا ارتبطت بإحساس الناس بأن العدالة لم تكن مرئية بالقدر الكافي.
والعدالة لا تُبنى على الثقة، بل على الرقابة، إذ اعتاد الاقتصادي الأمريكي جون كينيث غالبريث التذكير بأن كل نظام يفتقر إلى رقابة مستقلة، مهما بدا متقناً من الخارج، محكوم عليه بفقدان مصداقيته عاجلاً أم آجلاً. وهذا بالضبط ما يواجهه الفيفا اليوم: أزمة ثقة لا تُحل بتصريح إعلامي أو اعتذار متأخر، بل بإصلاح بنيوي حقيقي يجعل كل قرار قابلاً للمراجعة والمساءلة في الوقت الحقيقي. فالمنتخبات تُقصى من البطولات، لكن الأزمات المؤسسية غير المحلولة تبقى، وتتكرر، حتى تصبح هي القاعدة لا الاستثناء.










