نكتب اليوم وقد تجاوزت حرب الإبادة على غزة يومها الألف من الحرب، ألف يوم من القصف المستمر، وألف يوم من الحصار، لم تتوقف حرب الابادة عند هدنة أكتوبر 2025، بل استمر القصف اليومي وتشديد الحصار ومنع دخول الغذاء والدواء الكافي، فقد استشهد بعد الاعلان عن الهدنة ما يزيد عن ١٠٠٠ شهيد، هذه "الإبادة الألفية" عاشها 2.4 مليون إنسان في أبشع جريمة إبادة عرفها التاريخ.
تخيل معي حياة شعب أعزل تعرض للقصف من الجو والبر والبحر، بأعتى أنواع الأسلحة فتكاً في العالم، تزامن ذلك مع إغلاق محكم للمعابر الحدودية، ومنع دخول الطعام والدواء، وحتى الماء، إذ مُنعت محطات التحلية من العمل.
الأسلحة التي قُصفت بها غزة فاقت كل الحروب التقليدية، أسقط الاحتلال حتى اليوم الألف حسب مكتب الإعلام الحكومي بغزة 223,000 طن متفجرات على القطاع، وهذا الرقم يعادل قوة تفجيرية لـ 15 قنبلة نووية من نوع القنبلة التي دمرت هيروشيما عام 1945.
هذا الحجم الضخم من السلاح لم يصنع أغلبه في إسرائيل، فقد سارعت أمريكا وبعض دول أوروبا لفتح جسور جوية مستمرة لتزويد الاحتلال بخط إمداد مفتوح، ما سمح للاحتلال، بصب كل هذا الجحيم على القطاع والاستمرار في هذه الابادة لليوم الألف، فقد بلغ الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل منذ اكتوبر ٢٠٢٣ حتى نهاية عام ٢٠٢٥ حسب الأرقام المعلنة ٢٢ مليار دولار.
تخيل أن كل هذا الجحيم صُب على مساحة جغرافية لا تتجاوز 360 كم²، أي 41 كم طولاً و6-12 كم عرضاً، مساحة تشكل 0.036% من مساحة مصر، بكثافة سكانية 5,500 نسمة/كم².
أنا أكتب هذا المقال كوني شاهداً على هذه الإبادة، عشت كل تفاصيلها، أذكر ذلك اليوم الذي ألقى فيه الاحتلال منشورات تطالب سكان المنطقة بالنزوح، الناس تصبح هائمة على وجهها لا تعرف أين تذهب، تبدأ تلملم أغراضها، أو ما تستطيع حمله، فالوقت يمضي والمواصلات غير متوفرة، فتضطر للنزوح سيراً على الأقدام، في مشهد تشعر وكأنه من مشاهد يوم القيامة، تضطر العديد من الأسر للنوم في الشوارع ليالٍ عديدة، هول النزوح هذا يتزامن مع قصف مستمر واستشهاد العديد من النازحين أثناء سيرهم، وشح شديد في الماء والطعام، تخيل أن هذا المشهد عاشه كل مواطن على الأقل 6 مرات، وبعض المواطنين ما يزيد عن 10 مرات.
من أقسى المشاهد أثناء المجاعة، عندما يتعمد الاحتلال إحداث الفوضى عند دخول الشاحنات، تجد آلافاً من الجوعى يهرعون لمجرد أن أحداً صرخ: "مقطورات"، وغالباً تكون مجرد عبث طفل طائش، تجد الكثير من كبار السن والأطفال، يهرولون لمحاولة كسب أي شيء يملأ بطونهم الجوعى، وغالباً يعودون بحالة مبكية وأيديهم فارغة، أو يحملون فتاتاً، لأن من يسيطر على السطو على المساعدات هم مجموعة من البلطجية الذين يتفننون في نهبها ثم يبيعونها في السوق بأسعار باهظة، وفي الخلفية تتراكم المساعدات على المعابر بينما يعاني الناس الجوع.
هذه بعض المشاهد التي عاشها كل مواطن غزي، ويوجد غيرها العديد من المشاهد التي يندى لها الجبين، ربما اقساها هو ترك الجثث ملقاة في الشوارع دون السماح لأحد أن يسحبها، حتى تأتي الكلاب الضالة وتنهش لحمها.
ولو أردنا أن نتحدث عن ويلات الحرب وتفاصيلها، ربما نحتاج إلى 1000 كتاب، كل يوم من هذه الحرب يحتاج لكتاب أو ربما مجلد لتوثيق مشاهد الإبادة والدمار والموت المستمر، إرتقى خلال الحرب أكثر من 73,000 فلسطيني، منهم 21,500 طفل و12,500 امرأة، كما دمر 90% من القطاع.
وأعجب ما في هذه الحرب هو أن أمريكا التي نقتل بسلاحها، هي نفسها من تلعب دور الوسيط، وتطرح الحلول على الطاولة، في مشهد، يظهر فيه مدى عجز الدول العربية في لعب أي دور حقيقي.
ألف يوم مرت، وآلاف من مشاهد النزوح، والموت والدمار، هذه ليست مجرد أرقام هذا عمر طفل كبر على صوت القصف، وهذا بيت تحوّل إلى ركام بكل ما يحمله من ذكريات.










