9 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أنقرة لم تعد تُستدعى… بل أصبحت هي من يستدعي

في الماضي، كانت أنقرة تُستدعى للمشاركة في النقاشات، أما اليوم، فهي تسعى إلى لعب دور أكثر تأثيرًا في صياغة أجندتها، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، وقدراتها العسكرية، وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 22 ساعة
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
قادة دول الناتو يلتقطون الصورة التذكارية في المجمع الرئاسي التركي في أنقرة

قادة دول الناتو يلتقطون الصورة التذكارية في المجمع الرئاسي التركي في أنقرة

في السياسة الدولية، لا تُقاس القوة بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في مسارات صنع القرار وتوجيه التوازنات الاستراتيجية. فالثقل الحقيقي للدول يظهر في لحظات الأزمات، عندما يصبح السؤال: من الذي يُتصل به؟ ومن الذي يُدعى إلى طاولة القرار؟ ومن الذي يصعب تجاوز دوره في القضايا الكبرى؟ وفي هذا السياق، تعكس المكانة المتصاعدة لتركيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحولًا لافتًا في موقعها داخل المنظومة الأمنية الغربية.

في الماضي، كانت أنقرة تُستدعى للمشاركة في النقاشات، أما اليوم، فهي تسعى إلى لعب دور أكثر تأثيرًا في صياغة أجندتها، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، وقدراتها العسكرية، وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.

ويبدو الرئيس رجب طيب أردوغان مدركًا لهذا التحول؛ إذ تعتمد السياسة الخارجية التركية على توظيف عناصر القوة التي تمتلكها الدولة، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، والصناعة الدفاعية، والقدرة على المناورة الدبلوماسية. ويمكن القول إن تركيا تمتلك اليوم العديد من الأوراق الاستراتيجية، بينما يبقى القرار السياسي في كيفية توظيفها بيد القيادة التركية.

وخلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عُقدت في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، برزت تركيا بوصفها أحد أبرز الفاعلين داخل الحلف. فالبلد الذي كان يُنظر إليه في فترات سابقة باعتباره شريكًا يواجه خلافات مع بعض حلفائه، أصبح اليوم عنصرًا يصعب تجاوزه في العديد من الملفات الأمنية والاستراتيجية. كما تستفيد أنقرة من العلاقات الشخصية الجيدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب التطور المتسارع الذي تشهده الصناعات الدفاعية التركية.

والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة وعددًا من العواصم الأوروبية باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها إحدى الركائز المهمة في معادلة الأمن الغربي الجديدة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

وتستند المكانة التركية إلى أربع ركائز رئيسية. الأولى، قاعدة سكانية شابة وديناميكية. والثانية، صناعة دفاعية متطورة تشمل الطائرات المسيّرة والمسيّرة المسلحة، إضافة إلى المقاتلة الوطنية “قآن” (KAAN). والثالثة، امتلاك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو من حيث عدد القوات. أما الرابعة، فهي موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يمنحها دورًا محوريًا في ملفات البحر الأسود والطاقة والهجرة والشرق الأوسط.

وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن تنامي أهمية تركيا داخل الناتو قد يقلص من قدرة أطراف إقليمية، ومنها إسرائيل، على التأثير في توجهات السياسة الأمريكية تجاه أنقرة، مع تزايد أولوية المصالح الاستراتيجية الغربية في التعامل مع تركيا.

ولذلك، لم تعد تركيا تُقرأ فقط من تل أبيب، بل أيضًا من واشنطن وبروكسل والعواصم الأوروبية. ومن يتابع التحولات الجارية في بنية الأمن الأوروبي يدرك أن مكانة أنقرة أصبحت ترتبط باعتبارات استراتيجية أوسع من الخلافات الثنائية.

وفي هذا الإطار، نُسب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إن الوقت قد حان لرفع عقوبات CAATSA المفروضة على تركيا، وإنه لا يشعر بالقلق من احتمال حصول أنقرة على مقاتلات F-35، كما لا يرى في امتلاكها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 مصدر قلق. وإذا ما تُرجمت هذه التصريحات إلى خطوات عملية، فإنها قد تمثل مؤشرًا على مرحلة جديدة في العلاقات الدفاعية بين واشنطن وأنقرة.

ولا يقتصر الاهتمام بالدور التركي المتصاعد داخل الناتو على الأوساط الغربية، بل يمتد أيضًا إلى اليونان، حيث أولت وسائل الإعلام اليونانية اهتمامًا متزايدًا بالمكانة المتنامية لتركيا داخل الحلف، معتبرة أن أنقرة باتت لاعبًا محوريًا في سياساته الإقليمية، لا سيما بعد استضافتها قمة الناتو.

كما نقلت تقارير إعلامية عن الضابط السابق في الاستخبارات اليونانية سافاس كالينديريديس قوله إن الأهمية الجيوسياسية لتركيا داخل الحلف ارتفعت بصورة واضحة، مشيرًا إلى أن توسع اهتمام الناتو بمنطقة البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط عزز من موقع تركيا باعتبارها مركزًا رئيسيًا لعمليات الحلف. وأضاف أن التحول الأهم لا يتعلق فقط بملف مقاتلات F-35، بل بالمكانة الاستراتيجية الجديدة التي اكتسبتها أنقرة، معربًا عن قلقه من انعكاسات ذلك على اليونان وإسرائيل.

واليوم، لم تعد تركيا مجرد عضو في حلف الناتو، بل أصبحت واحدة من الدول المؤثرة في رسم ملامح البنية الأمنية الجديدة. فالذين كانوا في الماضي يدعون أنقرة للمشاركة، باتوا اليوم يحرصون على التنسيق معها في العديد من الملفات، في ظل تزايد وزنها الاستراتيجي داخل الحلف.

ومع إعادة تشكيل النظام الدولي، لم تعد تركيا تكتفي بمتابعة التحولات، بل تسعى إلى الإسهام في صياغتها والتأثير في مساراتها. ويستند هذا الدور إلى مزيج من القوة العسكرية، والموقع الجيوسياسي، والصناعات الدفاعية، والحضور الدبلوماسي، والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية في توقيتات حساسة.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن أنقرة لم تعد مجرد دولة تُستدعى إلى الطاولة، بل أصبحت في كثير من الملفات شريكًا لا يمكن تجاهل حضوره عند رسم التوازنات الإقليمية والدولية

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

أنقرة لم تعد تُستدعى… بل أصبحت هي من يستدعي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°