لم تقف أدوات الحرب الإسرائيلية على غزة بصورتها المتوحشة عند حدود الدمار والخراب والقتل والتنكيل والتجويع؛ بل يوجه الاحتلال أطماعه لإعادة هندسة الجمهور في غزة، والتأثير على بنية المجتمع وثقافته عبر منظومة ضخمة ومتكاملة، يسعى من خلالها لدفع المواطن لخلع عباءته الوطنية، وتحويله إلى شخص ينحصر أمله في البحث عن قوت يومه. سنحاول من خلال هذا المقال تفكيك هذا السلوك الإجرامي الممنهج.
يسعى العدو الصهيوني بشكل حثيث ودؤوب إلى إبقاء الجمهور في غزة حبيس الدرجة الأولى من "هرم ماسلو" للحاجات الأساسية للإنسان؛ وهي درجة تأمين المأكل والمشرب والمأوى، وفي سبيل تحقيق ذلك، يفرض سيطرته المطلقة على المعابر متحكماً في تدفق المواد التموينية والإغاثية، محاولاً ربط دخول المساعدات بالوضع الميداني والتطورات العسكرية؛ والهدف الخبيث من وراء ذلك هو الضغط النفسي على المواطن وإقناعه واهماً بأن فصائل المقاومة هي المتسبب الرئيس في منعه من مقومات حياته.
وعلى الصعيد الميداني، يمارس الاحتلال السلوك ذاته عبر ترسانة من الأساليب الإجرامية؛ فتارة يستهدف أماكن مكتظة بالسكان والنازحين موقعاً العشرات من الشهداء والجرحى بحجة وجود مقاومين، وتارة أخرى يقوم بنسف مربعات سكنية كاملة بذريعة تدمير البنى التحتية للمقاومة.
إن هذا الربط المتعمد بين الموت والمقاومة ليس محض صدفة أو نتاج عشوائية عسكرية، بل هو منظومة متكاملة ومدروسة يستند العدو فيها إلى نظريات سلوكية ونفسية؛ من اهمها "نظرية الربط الشرطي" لإيفان بافلوف، من خلال اللعب على ثنائية "المثير والاستجابة"، ويهدف هذا المخطط إلى ترسيخ "المقاومة" كمرادف شرطي تلقائي في وعي الجمهور لـ "الموت والدمار والجوع"، في مقابل جعل "الانصياع والمهادنة" مرادفاً شرطياً لـ "الأمن وكسرة الخبز".
ويدعم العدو مخططاته بمنظومة إعلامية ضخمة يحاول من خلالها التأثير على المواطن الغزي باستخدام أساليب خبيثة؛ فتارة يستدعي الآيات القرآنية في المنشورات التي يلقيها من الطائرات، وتارة يخرج الناطق باسم جيشه مكرراً عبارات مثل: (حماس تجلب لكم الدمار، ونحن نريد لكم العيش في أمان).
وفي الآونة الأخيرة، برز دور ما يسمى بـ "المنسق"، الذي يحاول الظهور بمظهر الراعي الحريص على شؤون المواطنين عبر تكرار سؤاله لهم عن احتياجاتهم على منصات التواصل، ليخرج بعدها زاعماً: (بناءً على تعليقاتكم ومطالبكم سنقوم بإدخال كذا وكذا)، ويتكامل هذا الدور مع سلوك الميليشيات العَميلة التي تحاول تطبيع فكرة التعامل المباشر مع الاحتلال من خلال بث مقاطع فيديو هزلية أثناء دخولها إلى بعض المناطق السكنية المتاخمة لـ "الخط الأصفر"، وتقوم بتوزيع بعض السجائر على الناس والحديث معهم لكسر الحاجز النفسي والوطني.
لا شك أن المواطن في غزة يعيش حالة من الإرهاق النفسي والجسدي الشديد نتيجة طول أمد المعاناة، وقد تلمس حالة من السخط والوجع عند الكثيرين؛ لكن الملامسة الحقيقية لواقع المواطنين على الأرض تؤكد وتثبت أنه لم يخلع عباءته الوطنية قط، فرغم كل تلك الظروف والترسانة النفسية الصهيونية الموجهة للتأثير على وعيه، تجد هناك حالة إجماع شعبي ووطني عارم لنبذ الميليشيات العَميلة، ولفظ كل أشكال التخابر والتعامل المباشر مع الاحتلال.
ويظهر سلوك المواطنين في غزة المتمثل في إصرارهم على الرجوع إلى أماكن سكنهم المدمرة وإعادة نبض الحياة إليها رغم انعدام المقومات الأساسية مدى تمسكهم بوطنيتهم، فتراهم ينصبون الخيام فوق الركام، ويحفرون آبار المياه بمساعدة بعض المؤسسات الإغاثية، وينظمون أمور حياتهم اليومية، ويعيدون فتح البقالات الصغيرة؛ في فعل تحدٍّ جماعي لجعل الحياة ممكنة في ظل ظروف مستحيلة.
إن هذا السلوك اليومي هو "مقاومة وجودية" يتحدى بها المواطن الغزي كل أساليب العدو في إعادة تشكيل هويته وتوجيه سلوكه.
يقع على عاتق النخب والمؤسسات وأصحاب الفكر ضرورة تسخير الجهود والقدرات لمساندة المواطنين في غزة لمواجهة هذه المخططات الصهيونية الممنهجة في "هندسة الجمهور"؛ وذلك عبر الاستمرار في دراسة وفضح أساليب التوجيه النفسي للاحتلال، ووضع خطط إعلامية واجتماعية متكاملة لمجابهتها، والتعامل مع بعض الحالات الشاذة والمجموعات المارقة التي ارتضت أن تعمل تحت إمرة جيش الاحتلال.








