19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الترميم الملتبس: عزل الداخل أم مواجهة إسرائيل؟

هل يُبنى الترميم لمواجهة إسرائيل التي أجهزت على اتفاقات أوسلو، ودفنت حل الدولتين تحت جبال الاستيطان، وأغلقت باب التفاوض في وجه أي تسوية؟ أم أنه يُبنى في جوهره لعزل الأطراف الفلسطينية الأخرى؟

بقلم: خالد سعيد نزال
١ يونيو ٢٠٢٦
14 دقائق قراءة
13 مشاهدة
محمود عباس في المؤتمر الثامن لحركة فتح

محمود عباس في المؤتمر الثامن لحركة فتح

في رام الله، تدور منذ أشهر ورشة سياسية لا تهدأ. ليست ورشة بناء دولة كما يتردد في البيانات الرسمية، ولا ورشة إصلاح ديمقراطي كما تسميها العواصم الغربية، بل هي ورشة ترميم عميق لنظام سياسي أنهكه الانقسام، وأكلته السنوات، وتآكلت شرعيته في الشارع قبل المؤسسات. قرارات تتسارع، وصلاحيات تُنقل، ومجلس وطني يُعاد إحياؤه من سباته، ومجلس تشريعي يُطوى بصمت، ورئاسة تُحصّن من أي استحقاق انتخابي. الكل يتحدث عن «بناء متسارع» و«تجديد للشرعية». لكن السؤال الذي يظل معلقاً، كظل ثقيل فوق هذه الورشة، هو السؤال الذي لا يُطرح في البيانات: هذا النظام الذي يُعاد ترميمه، ضد من يُبنى؟

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل يُبنى لمواجهة إسرائيل التي أجهزت على اتفاقات أوسلو، ودفنت حل الدولتين تحت جبال الاستيطان، وأغلقت باب التفاوض في وجه أي تسوية؟ أم أنه يُبنى في جوهره لعزل الأطراف الفلسطينية الأخرى، لشطب حماس والفصائل المعارضة من المعادلة، وتكريس تفرد نخبة سياسية واحدة بمقاليد القرار تحت يافطة «منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد»؟ بعبارة أخرى هل هذا الترميم موجه إلى الخارج أم إلى الداخل؟ هل هو سور في وجه الاحتلال أم جدار عازل في وجه الفلسطيني الآخر؟

هذا هو الالتباس القاتل. إسرائيل، من جهتها، لم تترك مجالاً للتأويل الحكومات المتعاقبة، والحكومة الحالية تحديداً، مارست قتل أوسلو بالتشريع والاستيطان والضم الزاحف، ورفضت علناً أي كيان سياسي فلسطيني ذي معنى. بينما الفلسطينيون، من جهتهم، يعيدون ترميم نظامهم وكأن شيئاً لم يتغير، مستخدمين مفاصل أوسلو نفسها سلطة، ومنظمة، ومجلس وطني، ولجنة تنفيذية. فأي من المنطقين ينتصر في هذا الترميم منطق تحصين الذات الفلسطينية في مواجهة إسرائيل التي انقلبت على الاتفاق، أم منطق إقصاء الخصوم الفلسطينيين وطي صفحة الشراكة الوطنية؟

في هذا المقال، نفتح ورشة الترميم الفلسطينية، لا لنصف ما يجري منها فقط، بل لنضعه تحت مجهر السؤال الملتبس هذا النظام المولود من رحم الترقيع، هل وُلد لمواجهة إسرائيل التي هدمت البيت، أم لاستكمال عزل من في الداخل قبل أن ينهار السقف على الجميع؟

ماذا يُبنى في الغرفة المغلقة؟

منذ أشهر، تلتقط الأذن السياسية همسات متواترة عن «تسارع في بناء النظام السياسي الفلسطيني». تفاصيل الخطة المسربة ترسم صورة واضحة لمسرح العبث أولاً، إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني «بالصيغة المعروفة مع بعض التعديلات»، أي انتخاب جزئي يرضي الذائقة الغربية، مع الإبقاء على حصص التوافق والتعيين التي تضمن ألا تفلت النتائج من عقالها ثانياً، نقل صلاحيات المجلس التشريعي المنتخب شعبياً إلى المجلس الوطني، في خطوة تعني وأد آخر مؤسسة شرعية أنتجتها انتخابات حقيقية عام ٢٠٠٦ بشكل قانوني هادئ ثالثاً، الإبقاء على منصب الرئاسة دون أي استحقاق انتخابي، ليبقى الرئيس في قمة الهرم بلا مساءلة صناديق الاقتراع، محصناً بمظلة منظمة التحرير التي يُراد لها أن تبتلع السلطة الوطنية.

ولكل حلقة من هذه الحلقات الثلاث تاريخ طويل. فـ"الصيغة المعروفة" تعود لمصالحات سابقة، من اتفاق القاهرة ٢٠١١ إلى إعلان الجزائر ٢٠٢٢، وكانت تقوم على انتخاب المجلس الوطني من الداخل عبر القوائم النسبية الكاملة، مع حصص للأقاليم الخارجية عبر التوافق. أما التعديلات الجوهرية المتسربة الآن فتشمل فصل انتخابات المجلس الوطني عن الرئاسة والتشريعي، وجعلها قائمة بذاتها تحت إشراف لجنة الانتخابات المركزية، وزيادة نسبة المعينين أو حصة التوافق لتخفيف صدمة أي نتائج غير مرغوبة، وإبقاء التوازن الفصائلي تحت السيطرة، وتغيير طبيعة المجلس الوطني ليكون «برلمان الدولة الفلسطينية» بدلاً من «برلمان الشتات»، مانحاً إياه صلاحيات تشريعية كاملة بدلاً عن التشريعي. عملياً، تجري الآن اتصالات مكثفة مع الفصائل في إطار «لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير» لوضع النظام الانتخابي الجديد، وقد أعلن عن قرب توزيع بطاقات تسجيل ناخبين في الداخل والخارج تمهيداً لسجل انتخابي خاص بالوطني، وهو ما يفسر كلمة «تسارع» التي ترددت في التسريبات.

نقل صلاحيات المجلس التشريعي إلى المجلس الوطني ليس مجرد إجراء تقني المجلس التشريعي الحالي منتهي الولاية منذ عام ٢٠١٠، ويسيطر عليه عملياً نواب حماس، وهم بين معتقل في سجون الاحتلال أو مبعد أو خارج الساحة، بينما يحكم الرئيس بمراسيم نقل صلاحياته إلى المجلس الوطني يعني قتل المجلس التشريعي تشريعياً دون انتخابات تشريعية مباشرة، وتحويل السلطة التشريعية إلى إطار منظمة التحرير الذي يمثل كل الفلسطينيين نظرياً، لكنه عملياً معيَّن بالتوافق الفصائلي، وليس منتخباً شعبياً بشكل مباشر وفردي كما جرت انتخابات ٢٠٠٦.

أما بقاء منصب الرئاسة دون انتخابات فهو المكشوف من اللعبة كلها. الرئيس محمود عباس، البالغ من العمر90 عاماً( وُلد في مدينة صفد في 15 نوفمبر 1935 ) ، باقٍ في منصبه، وربما يُعاد تعريف المنصب في إطار المجلس الوطني الجديد ليكون «رئيس دولة فلسطين» ضمن منظمة التحرير، لا رئيس سلطة، لتفادي الضغط الانتخابي الذي قد يطيح به أو يؤدي إلى صعود منافس قوي من داخل فتح نفسها، مثل مروان البرغوثي، أو من خارجها. المشروع الحالي يُبقي عباس رئيساً للدولة وللمنظمة وللسلطة دون مساءلة انتخابية، ويُفرغ منصب رئيس الوزراء من أي صلاحيات سيادية مانعاً إياه من أن يصبح مركز قوة بديلاً، ويُصمم مجلساً وطنياً قابلاً لأن ينتخب لاحقاً لجنة تنفيذية ورئيساً جديداً للمنظمة، مما يعني أن عملية انتقال السلطة ستتم داخل الجسم المغلق لمنظمة التحرير لا عبر انتخابات شعبية، وهذا ما يضمن استمرار النهج نفسه.

حرب غزة والبحث عن " لاعب وحيد معتدل"

هذا التسارع لا يُقرأ في فراغ السياق الضاغط الذي يحركه هو حرب الإبادة على غزة، والضغوط الدولية الهائلة على السلطة الفلسطينية لتقديم نفسها كبديل مقبول لإدارة القطاع في «اليوم التالي» الغرب وبعض الدول العربية يشترطون «سلطة فلسطينية متجددة» لا تشمل حماس، لكنهم يدركون في الوقت ذاته أن إجراء انتخابات شاملة الآن قد يأتي بحماس أو بفوضى تعم الفوضى القائمة أصلاً هذا المشروع هو التسوية الوسطية بين المطلبين تقديم وجه جديد للمجتمع الدولي دون المخاطرة بصندوق الاقتراع، وإخراج حماس تشريعياً من المعادلة دون مواجهتها انتخابياً، وخلق إطار قانوني يمكن بموجبه تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى مسؤوليات في غزة تحت مظلة منظمة التحرير وليس السلطة، ملتفاً على اشتراطات أوسلو التي تربط السلطة بالضفة وغزة معاً.

والقبول الغربي لهذا المشروع ليس سلبياً ولا بريئاً. ثمة تقارير دبلوماسية تشير إلى أن أطرافاً غربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية، وازنت بين خيارين الضغط من أجل انتخابات شاملة فوراً، وما يحمله ذلك من مخاطرة كبرى بصعود حماس أو زعزعة الاستقرار في الضفة الغربية، أو دعم إعادة هيكلة منظمة التحرير بشكل يضمن استمرار القيادة الحالية «المعتدلة» ويُحدث تغييراً شكلياً يُسوَّق على أنه إصلاح ديمقراطي وقد رجحت هذه الأطراف الخيار الثاني وتجلى ذلك في حديث المبعوثين الغربيين عن «ضرورة تجديد الشرعية الفلسطينية عبر منظمة التحرير»، وفي الترحيب بتشكيل حكومة محمد مصطفى التكنوقراطية وربط أي دور لها في غزة بأن تكون تحت مظلة المنظمة لا السلطة، واشتعل الضوء الأخضر لاجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني التي اتخذت قرارات بنقل الصلاحيات، دون إدانة أو مطالبة جادة بانتخابات رئاسية.
المحصلة الغرب تخلّى عن شرط الانتخابات الحرة الذي لطالما رفعه، واستبدله بمباركة إعادة تدوير الوجوه نفسها تحت يافطة «منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد»، لضمان استمرار التنسيق الأمني ومنع الفوضى، وحصر التعامل مع «لاعب وحيد معتدل»، حتى لو كان ثمن ذلك دفن الديمقراطية الفلسطينية ووأد الآمال الشعبية في التغيير.

الجدار في وجه الداخل: إقصاء لا إصلاح

في المقابل، ما يجري ليس إصلاحاً وطنياً جامعاً، بل هو تعميق للانقسام بأدوات قانونية ناعمة حماس وحركة الجهاد الإسلامي أعلنتا رفضهما القاطع للمشروع برمته، واعتبرتا إلغاء المجلس التشريعي ونقل صلاحياته إلى المجلس الوطني انقلاباً على الشرعية الانتخابية الوحيدة التي أفرزتها صناديق الاقتراع عام ٢٠٠٦، وتهديداً مباشراً للتمثيل السياسي لقطاع واسع من الفلسطينيين. وشخصيات مستقلة وفعاليات مجتمع مدني رأت فيه «ترقيعاً» يكرس التفرد بالسلطة ويُنهي ما تبقى من مؤسسات أوسلو دون بناء بديل توافقي حقيقي. وحتى داخل حركة فتح نفسها، هناك تذمر مكتوم، لأن انتخاب المجلس الوطني بصيغته المعدلة قد لا يعكس الوزن الحقيقي للتيارات الإصلاحية في الحركة، ويُبقي القرار في قبضة الدائرة الضيقة نفسها التي تدير المشهد منذ عقود.

المُخرجات العملية لهذا الترميم واضحة مجلس وطني جديد يُنتخب نصفه ويُعين نصفه، يكتسب صلاحيات برلمان الدولة، ويشرف على حكومة تكنوقراط قابلة للتسويق دولياً، بينما يبقى الرئيس محتفظاً بصلاحياته كاملة بصفته رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس السلطة في آن إنها وصفة مُحكمة لإعادة إنتاج النظام السياسي الفلسطيني بالصورة نفسها التي كان عليها في تسعينيات القرن الماضي قيادة غير منتخبة شعبياً، وفصل تام بين القرار السياسي والإرادة الشعبية، وتكريس لنهج المفاوضات اللانهائية تحت سقف أوسلو لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا أي أوسلو هذا الذي يُراد ترميم النظام على مقاسه؟

إسرائيل تهدم والفلسطينيون يرممون واجهته

هنا تكمن المفارقة القاتلة التي تجعل من الترميم عبثاً سياسياً بامتياز في اللحظة ذاتها التي يسابق فيها الفلسطينيون الزمن لترميم نظامهم السياسي على مقاس أوسلو، يكون الطرف الإسرائيلي قد أنهى عملياً كل ما يتصل بذلك الاتفاق، بل وأعلن وفاته مراراً على رؤوس الأشهاد.

لم يعد خافياً على أحد أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، خصوصاً الائتلاف الحالي الذي يضم أقطاب الاستيطان واليمين الأيديولوجي، قد دفنت أوسلو تحت جبال الاستيطان والتشريعات والقرارات الأحادية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يحمل في يده ملف الإدارة المدنية في الضفة الغربية، لا يخفي رغبته في إسقاط السلطة الفلسطينية أصلاً، ويعمل على تقطيع أوصال الضفة عبر شرعنة بؤر استيطانية عشوائية، وتوسيع المستوطنات الكبرى، وتجفيف منابع السلطة المالية والقانونية ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يدعو علناً إلى ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فيردد كلما اقتضت الحاجة أن لا دولة فلسطينية شرقي الجدار، وأن منطقة غور الأردن وجميع المستوطنات ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة.

على الأرض، تحولت مناطق «أ» و«ب»، التي يفترض أنها تخضع للسلطة الفلسطينية وفقاً لاتفاقات أوسلو، إلى ساحات اقتحام يومية للجيش الإسرائيلي، قُتِل فيها مئات الفلسطينيين خلال العامين الأخيرين وحدهما، بينما طوّقت الحواجز العسكرية المدن والقرى الفلسطينية وحوّلتها إلى كانتونات معزولة لقد مات التقسيم الأوسلوي للمناطق، ومات معه وهم السيطرة الفلسطينية على أي شبر من الأرض، وتحولت السلطة إلى مجرد مقاول أمني يضمن بقاء الاحتلال بأقل كلفة.

أما على المستوى السياسي والتشريعي، فالكنيست الإسرائيلي أقر في الأشهر الماضية قرارات تحظر على الحكومة التفاوض على إقامة دولة فلسطينية، وترفض أي اعتراف أحادي الجانب بها، في انزياح غير مسبوق عن مرجعية مدريد وأوسلو وقرارات الشرعية الدولية باختصار، إسرائيل أغلقت الباب بقوة في وجه أي تسوية مبنية على مبدأ الدولتين وفق الصيغة الأوسلوية لقد مزقت الاتفاق من الناحية العملية والقانونية والسياسية، ولم يبقَ منه إلا الهيكل الفارغ الذي تستظل به السلطة الفلسطينية لتبرير وجودها.
ضد من يُبنى النظام المرمَّم؟

وهنا نعود إلى السؤال الذي افتتحنا به هذا المقال، بعد أن صرنا في قلب الورشة ورأينا ما يُبنى فيها، ورأينا أيضاً ما هُدم من الطرف الآخر النظام السياسي الفلسطيني المولود من رحم هذا الترقيع، هل وُلد لمواجهة إسرائيل التي هدمت البيت، أم لاستكمال عزل من في الداخل قبل أن ينهار السقف على الجميع؟

المشهد الأخير يقدم إجابة مزدوجة، وهذا هو مربط الالتباس من جهة، يبدو الترميم موجهاً إلى الخارج كتقديم كيان سياسي فلسطيني «متجدد» يمكن تسويقه دولياً كبديل جاهز لاستلام زمام الأمور في غزة بعد الحرب، كيان لا يشمل حماس، ويحظى بغطاء منظمة التحرير، ويستجيب للشرط الغربي بإصلاح لا يهدد استمرار التنسيق الأمني ومن جهة أخرى، يبدو الترميم موجهاً إلى الداخل تحصين الذات السياسية للقيادة الحالية، وقطع الطريق على أي انتخابات شاملة قد تزيحها، وإضفاء شرعية شكلية على استمرارها عبر مجلس وطني محدث، ودفن حماس سياسياً بشطب مؤسسة المجلس التشريعي من الوجود القانوني، وإعادة تعريف الشرعية بالمظلة التنظيمية لمنظمة التحرير التي لا تنتمي إليها حماس والجهاد.

لكن الإشكالية الكبرى أن هذين الاتجاهين لا يلتقيان إلا في نقطة الفشل فالنظام المرمَّم، إن كان موجهاً لمواجهة إسرائيل، فإنه يقرع باباً أُغلق من الداخل الإسرائيلي الإسرائيليون انتقلوا من رفض أوسلو إلى دفنه تشريعياً، ومن معارضة حل الدولتين إلى تشريع ضمها، ومن التعامل مع السلطة كأمر واقع إلى التلويح بإنهائها نخبة سياسية فلسطينية ترتدي ثوباً رقعته بمهارة، وتقف على بوابة المفاوضات الخلفية متأهبة للقاء «شريك» لم يعد موجوداً، إنما تمارس ضرباً من العبث السياسي المكشوف.

وإن كان موجهاً لعزل الداخل، فإنه يكرس انقساماً ثلاثي الأبعاد جغرافي بين الضفة وغزة، ودستوري بلا انتخابات رئاسية ولا تشريعية حقيقية، وتمثيلي بترميم منظمة التحرير دون توافق وطني مع حماس والجهاد الترميم هنا يمنع الانهيار اللحظي، لكنه يوسع الشرخ طويل الأمد، ويُبقي النظام السياسي الفلسطيني في غرفة الإنعاش، لا في ورشة بناء حقيقية.

في المحصلة، ينتج الترميم الملتبس نظاماً معلقاً بين غرضين متناقضين، لا هو قادر على مواجهة إسرائيل التي طوّقت البيت الفلسطيني وهدمت جدرانه، ولا هو قادر على احتواء الفلسطينيين أنفسهم في إطار وطني جامع ينهي الانقسام ويعيد تعريف المشروع الوطني على أسس جديدة إنه نظام يُبنى، لكن السؤال الأعمق يظل مطروحاً في اللحظة التي ينهار فيها سقف أوسلو على الجميع، أي جدار سيصمد؟ جدار المواجهة مع الاحتلال، أم جدار العزل بين الفلسطينيين أنفسهم؟ ربما يكون الجواب هو أن هذا الترميم لم يُصمم ليصمد، بل ليؤجل لحظة الانهيار إلى أجل غير مسمى، تاركاً الفلسطينيين أسرى هيكل سياسي فارغ، ونظام رُقّع ليعيش، فإذا به يدفن حلم الدولة في طبقات إضافية من الأوهام.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير