10 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: تركيا - إسرائيل صدام لا محالة؟

منذ أن زُرعت إسرائيل في قلب المشرق العربي عام 1948، لم تعرف المنطقة استقراراً حقيقياً؛ لما لها من تاريخ من الاضطراب والبحث عن الشرعية الزائفة، فكل حرب انتهت كانت تمهيداً لحرب أخرى، وكل تسوية سياسية تحولت إلى مقدمة لإعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 4 ساعة
9 دقائق قراءة
12 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: تركيا - إسرائيل صدام لا محالة؟

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: تركيا - إسرائيل صدام لا محالة؟

منذ أن زُرعت إسرائيل في قلب المشرق العربي عام 1948، لم تعرف المنطقة استقراراً حقيقياً؛ لما لها من تاريخ من الاضطراب والبحث عن الشرعية الزائفة، فكل حرب انتهت كانت تمهيداً لحرب أخرى، وكل تسوية سياسية تحولت إلى مقدمة لإعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً.

فإسرائيل، التي قامت على أنقاض حقوق تاريخية، فشلت على مدار عقود في فرض شرعيتها عبر القوة العسكرية الغاشمة، وظلت ترى في أي قوة إقليمية صاعدة -لاسيما تركيا- تهديداً وجودياً لمشروعها التوسعي، لتتصاعد اليوم واحدة من أخطر معادلات الشرق الأوسط: العلاقة التركية–الإسرائيلية، التي انتقلت من شراكة استراتيجية صامتة إلى تنافس جيوبوليتيكي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالطموحات الإقليمية، وتتحول فيه سوريا إلى ساحة اختبار لإرادات متناقضة.

وما نشهده اليوم هو مجرد حلقة جديدة في مسلسل الفشل الإسرائيلي، والتاريخ شاهد فعند المقارنة بين الماضي والحاضر، نجد هوة شاسعة؛ ففي عام 1996، وقعت أنقرة وتل أبيب اتفاقية تعاون عسكري جعلت من إسرائيل المورد الرئيسي لتكنولوجيا الطيران والدبابات لتركيا مثل تحديث دبابات M60 أما اليوم، في عام 2026، فقد تحولت إسرائيل رسمياً إلى تصنيف تركيا كـ "خصم أساسي" في وثائقها الاستراتيجية، كما أن هناك خلافات دبلوماسية موسمية بعد حادثة "مرمرة" عام 2010، والتي عكست صراعاً على شكل النظام الإقليمي القادم. وبين الطرفين، تتحرك الولايات المتحدة بحذر، محاولة منع انفجار مواجهة بين اثنين من أهم حلفائها العسكريين في المنطقة.


بين الردع والانفجار المحدود:

"أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من ولاية هاطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت"، هكذا قال أردوغان، حيثُ تتحدث لغة الأرقام بأن ميزان القوى 2026 وفقاً لتقارير "Global Firepower" ومعهد "IISS" لعام 2026، يظهر الفارق النوعي والكمي لنرى أن أي مواجهة مباشرة لن تكون نزهة لإسرائيل، خاصة وأن تركيا أصبحت تمتلك "عمقاً تصنيعياً" يقلل من اعتمادها على الخارج:


تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة، ويبلغ عدد قواتها المسلحة أكثر من حوالي 550,000 جندي عامل و380,000 جندي احتياط، مقابل 170,000 جندي عامل لإسرائيل مع اعتماد هائل على 465,000 جندي احتياط.


الميزانية الدفاعية: بلغت ميزانية الدفاع التركية لعام 2026 حوالي 40 مليار دولار، في حين بلغت ميزانية إسرائيل 30.5 مليار دولار، لكنها مدعومة بتمويل طوارئ أمريكي ضخم وصل إلى 21.7 مليار دولار منذ أكتوبر 2023.


الصناعات الدفاعية المتطورة، أبرزها الطائرات المسيّرة "بيرقدار"، ومنظومات الحرب الإلكترونية، وصواريخ "أتماجا" البحرية، فنجد السلاح الجوي والبحري دخلت تركيا مرحلة "الاستقلال الدفاعي" مع دمج مقاتلة KAAN المحلية وتوسيع أسطولها البحري بـ 186 قطعة بحرية مقابل 67 قطعة فقط لإسرائيل التي تتفوق في مقاتلات F-35.


رقعة الشطرنج الدامية (سوريا):

أما سوريا فبينهما تُمثل رقعة الشطرنج الدامية، وقد قال أردوغان إن"دمشق وبيروت شقيقتان لإسطنبول"، حيثُ تستغل إسرائيل حالة السيولة الأمنية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وتولي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، وشنت مئات الغارات الجوية بدعوى محاربة النفوذ الإيراني، لكن الأهداف الحقيقية تتجاوز ذلك إلى "إضعاف الدولة السورية" ومنعها من الاستقرار تحت النفوذ التركي الساعي لتثبيت حكم الشرع لضمان وحدة سوريا ومنع قيام كيان كردي انفصالي، وتستثمر في إعادة الإعمار لترسيخ نفوذها، بينما تروج إسرائيل لخطاب يصف سوريا الجديدة بأنها "إيران ثانية" بسبب الخلفية الأيديولوجية للشرع.
وبالتالي نفذت إسرائيل عام 2013، أكثر من 400 غارة جوية داخل سوريا، استهدفت مواقع إيرانية ومستودعات أسلحة وقواعد تابعة للحرس الثوري الإيراني وتوسعت هذه الضربات لتشمل مناطق قريبة من انتشار الفصائل المدعومة تركياً،، ثُم قامت حرب الـ 12 يوماً (يونيو 2025) عندما هاجمت إسرائيل إيران مباشرة، ووصفت تركيا ذلك بـ "إرهاب الدولة"، مما عمق الفجوة بين أنقرة وتل أبيب، فسارعت إسرائيل لفرض "منطقة عازلة" في الجنوب السوري، وهو ما تراه أنقرة تقسيماً فعلياً للبلاد يهدد استراتيجيتها القائمة على "وحدة التراب السوري، بل وكان الاحتكاك الميداني في أبريل 2026، عندما شنت إسرائيل غارة جوية استهدفت موقعاً بالقرب من قاعدة تركية قيد الإنشاء في سوريا، مما استدعى تفعيل "الخط العسكري الساخن" لمنع انزلاق الموقف إلى حرب شاملة.
هكذا تحولت سوريا إلى مساحة تزاحم بين مشروعين:
مشروع تركي يريد إعادة هندسة النفوذ السني في المشرق. 
ومشروع إسرائيلي يريد منع تشكل أي قوة إقليمية منافسة قرب حدوده الشمالية. 


مربع إقليمي:

وهناك التقارب التركي الإماراتي بإعادة تموضع استراتيجي عام 2021، فبينما كانت إسرائيل تراهن على "اتفاقيات أبراهام" لعزل القوى الإقليمية المعارضة لها، نجحت تركيا في بناء "مربع إقليمي" يضم السعودية وباكستان والإمارات وهُنا لا ننسى أن أبوظبي تُعد أحد أهم شركاء تل أبيب بعد اتفاقيات أبراهام. وبالتالي ساهم التقارب التركي الإماراتي في إعادة دمج أنقرة ضمن شبكات الاستثمار الخليجية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 20 مليار دولار خلال سنوات قليلة، مع توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة في الطاقة والدفاع والبنية التحتية. على الرغم من الحظر التجاري الرسمي الذي أعلنته تركيا في مايو 2024، إلا أن بيانات المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي في فبراير 2026 أشار إلى استمرار تدفقات تجارية "غير رسمية" بلغت 94 مليون دولار في شهر واحد عبر طرف ثالث. ومع ذلك، فإن إسرائيل تستفيد بصورة غير مباشرة من التقارب التركي الإماراتي في نقطتين أساسيتين:
1.تقليل احتمالات المواجهة الخليجية–التركية التي كانت تهدد استقرار شرق المتوسط. 
2.خلق توازن داخل المحور السني يمنع تركيا من احتكار النفوذ الإسلامي الإقليمي. 

مواجهة لا محالة:

وعلناً قال أردوغان إن "تركيا تدرك جيدًا الهدف النهائي لأوهام الأرض الموعودة"، مضيفًا: "بإذن الله لن نسمح أبداً بذلك، فإذا لم يتم وضع حد لبلطجة إسرائيل فإن ثمن ذلك لن تدفعه المنطقة وحدها إنما الإنسانية بأسرها"، مؤكدًا أن "إيقاف إسرائيل مسؤولية إنسانية مشتركة ومنع تكرار مآسي التاريخ واجب على الجميع". في المقابل، تعتمد إسرائيل على التفوق النوعي والتكنولوجي، وليس العددي. فهي تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الجوية تطوراً في العالم، مع أسطول يتجاوز 300 طائرة مقاتلة متقدمة، بينها مقاتلات Lockheed Martin F-35 Lightning II الأميركية، إضافة إلى قدرات استخباراتية وهجومية دقيقة أثبتت فعاليتها في سوريا ولبنان وإيران.
وفق بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري التركي نحو 15.8 مليار دولار عام 2025، بينما تجاوز الإنفاق الإسرائيلي 30 مليار دولار، مدعوماً بحزمة دعم أميركية سنوية تقارب 3.8 مليارات دولار. هذا الفارق يكشف أن إسرائيل تراهن على الحرب الخاطفة والسيطرة الجوية، في حين تعتمد تركيا على العمق الاستراتيجي والتفوق البشري والميداني.
لكن الأخطر ليس الحرب التقليدية، بل "الحوادث التكتيكية" التي قد تخرج عن السيطرة، خصوصاً في سوريا وشرق المتوسط. فوجود القوات الجوية التركية والإسرائيلية في مساحات عمليات متقاربة يرفع احتمالات الاحتكاك، خاصة بعد الحديث عن استهداف إسرائيل مواقع كانت مخصصة لقواعد تركية شمال سوريا. 
ولهذا السبب، أجرت أنقرة وتل أبيب خلال عام 2025 اجتماعات عسكرية غير معلنة في أذربيجان لتفعيل "آليات منع الاشتباك"، في مؤشر واضح على أن الطرفين يخشيان الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة مباشرة. 

القطيعة المنهجية:

وعن مستقبل العلاقات فقد أكدت كل المؤشرات الواقعية تؤكد أن العلاقات التركية–الإسرائيلية دخلت مرحلة "القطيعة المنهجية"، وليس مجرد أزمة عابرة، فلم يعد العداء لتركيا في إسرائيل مرتبطاً بشخص نتنياهو فقط؛ بل أصبح جزءاً من المزاج السياسي والأمني العام، حتى لدى شخصيات معارضة مثل نفتالي بينيت، الذي وصف تركيا بأنها إيران الجديدة، بينما تحوّل الخطاب في تركيا ضد إسرائيل إلى جزء من الهوية السياسية للسلطة الحاكمة، خصوصاً بعد حرب غزة، حيث أصبحت تل أبيب تُقدَّم داخلياً باعتبارها مصدر الفوضى الإقليمية.


الأخطر أن الطرفين ينظران إلى بعضهما كقوتين توسعيتين متنافستين:


إسرائيل تخشى الطموح التركي العثماني الجديد. 
وتركيا ترى أن إسرائيل تحاول بناء شرق أوسط جديد قائم على تفتيت القوى المحيطة بها. 

وقفة: إن أي عودة سريعة إلى "السلام البارد" السابق تبدو مُستبعدة، ما لم يحدث تحول جذري في القيادات السياسية أو في شكل النظام الإقليمي نفسه. حيثُ نجحت إسرائيل لعقود في إدارة الفوضى، لكنها فشلت في صناعة الاستقرار؛ والتاريخ يثبت دائماً أن الدول التي تبني أمنها على تفكيك محيطها، تنتهي في النهاية أسيرة الفوضى ذاتها التي أطلقتها، وبالتالي فإن حتمية السقوط في الفوضى أت لا محالة. وستظل الحقيقة التاريخية ثابتة: "من يبني بيته على جماجم الآخرين، لن يجد سقفه إلا الانهيار؛ والفوضى التي تنشرها إسرائيل هي الفصل الأخير في رواية وجودها القلق".

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال