7 يونيو 2026|القاهرة 28 °

عندما تصمت الدبلوماسية.. تتحدث المدافع ويركع الاقتصاد

"عندما تصمت الدبلوماسية، تتحدث المدافع؛ وعندما تتحدث المدافع، يركع الاقتصاد العالمي في محراب الطاقة"، فالحروب تُشعلها لحظة… لكن تداعياتها تبقى لعقود، وتطال الكُل حتى من أطلقها. أنه أمراً بهلوانياً غير محسوب في تطور دراماتيكي لم يقتصر أثره على طهران،

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 12 ساعة
6 دقائق قراءة
20 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: عندما تصمت الدبلوماسية.. تتحدث المدافع ويركع الاقتصاد

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: عندما تصمت الدبلوماسية.. تتحدث المدافع ويركع الاقتصاد

"عندما تصمت الدبلوماسية، تتحدث المدافع؛ وعندما تتحدث المدافع، يركع الاقتصاد العالمي في محراب الطاقة"، فالحروب تُشعلها لحظة… لكن تداعياتها تبقى لعقود، وتطال الكُل حتى من أطلقها. أنه أمراً بهلوانياً غير محسوب في تطور دراماتيكي لم يقتصر أثره على طهران، بل امتد صداه إلى أبوظبي والكويت والمنامة والقدس. لحظة إقليمية فارقة، لا تُقاس بعدد الانفجارات، بل بحجم الارتدادات الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط برمته.

نحن الآن في اللحظة التي طالما حذرنا منها؛ لحظة انكسار التوازن الهش وسقوط العالم في أتون "الفوضى المنظمة". مع انطلاق عملية "الغضب الجارف" التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتدفق الأنباء عن انفجارات لم تقتصر على طهران والقدس فحسب، بل طالت أبو ظبي والكويت والمنامة، دخلنا رسمياً في "العصر الجليدي" للاقتصاد العالمي. إن هذا التصعيد لا يمثل مجرد جولة عسكرية، بل هو "زلزال هيكلي" يضرب صمامات الأمان التي أبقت العالم بعيداً عن الركود العظيم لسنوات.

فعندما تحترق "خزانات الثقة" أمام جغرافيا النيران فإن استهداف مراكز الثقل النفطي والمالي في أبو ظبي والكويت والبحرين -حتى لو كانت محدودة أو دفاعية-، يغير قواعد اللعبة جذرياً، إذ أننا لم نعد نتحدث عن انقطاع النفط الإيراني، بل عن شلل "القلب النابض" للطاقة العالمية، كما سيكون هناك تبخر "الطاقة الفائضة"، التي كانت الأسواق تراهن فيها على قدرة دول الخليج على تعويض أي نقص إيراني. لكن الآن، ومع دوي الانفجارات في عواصم دولنا الشقيقة-حفظ الله السعودية-، تحولت "الطاقة الفائضة" من حل إلى "هدف عسكري". هذا يعني أن المعروض العالمي لم يعد "مهدداً"، بل بات "مفقوداً" فعلياً تحت ركام البنية التحتية الجريحة.. ولا ننسى وكأننا أمام إعدام الملاحة في هرمز الذي لم يعد إغلاقه قراراً سياسياً، بل أصبح نتيجة حتمية لتحوله إلى ساحة حرب مفتوحة، فأي ناقلة نفط تحاول العبور الآن تواجه "انتحاراً تجارياً"، مما يعني توقف تدفق 20 مليون برميل يومياً فوراً.

وبناءً على المعطيات الميدانية، سقطت كل التوقعات السعرية السابقة (70-80 دولاراً) في سلة المهملات التاريخية، حيثُ "تسونامي" الأسعار.. وكسر حاجز الصوت الاقتصادي الذي طال مع انفجارات الكويت وأبو ظبي، ارتفاعاً سعرياً يتجه خلاله خام برنت لكسر حاجز  150 دولاراً للبرميل في جلسات التداول الأولى، مدفوعاً بما نسميه علاوة الذعر المطلق "Panic Premium" ، كما جعل هناك انهيارًا للعقود الآجل، فلم يعُد المستثمرون يثقون في الأرقام؛ بل أصبح البحث جارياً عن "النفط الفيزيائي" الموجود فعلياً في المستودعات البعيدة عن نيران القصف. ليضعنا أمام حالة "باكورديشن"، لم يشهدها التاريخ منذ أزمة 1973، حيث يصبح سعر البرميل الفوري أغلى بمرات من سعره المستقبلي، ما يعكس قناعة السوق بأن "الغد" قد لا يحمل نفطاً على الإطلاق.

وفي غرفة العناية المركزة هناك اجتماع مرتقب للتحالف "أوبك+" ليُصبح الآن اجتماعاً "للبقاء"، فدراسة زيادة الإنتاج التي كنا نتحدث عنها قبل ساعات أصبحت "نكتة جيوسياسية" في ظل استهداف المنشآت الخليجية لدول أعضاء رئيسية (الكويت والإمارات)، وهو ما يجعل هناك فقدان سيطرة، وبالتالي نخشى أن تنتقل القوة الحقيقية من "طاولات الاجتماعات" في فيينا إلى "غرف العمليات العسكرية". أوبك+ لم تعد تدير فائضاً، بل تحاول إدارة "كارثة وجودية" تهدد عصب بقاء دولها.

إن عملية "الغضب الجارف" تكشف العور الاستراتيجي لواشنطن "اليأس الأمريكي"، فبينما تحاول الهروب نحو نفط فنزويلا وتدمير القدرات الإيرانية، تدرك الإدارة الأمريكية أنها "أحرقت أصابعها" في الخليج، ولتأمين "الخام الثقيل" الفنزويلي بأي ثمن، تلتف بيأس نحو الكاريبي عوضاً عن نيران الشرق الأوسط، وهُنا تتحول فنزويلا من "عدو" إلى "طوق نجاة" قسري؛ لتعويض ما فقدته في أبوظبي والكويت والبحرين. هذا ليس تحالفاً، بل هو "نهب بصبغة براغماتية"، حيث ستحاول أمريكا احتكار النفط الفنزويلي لمصانعها، تاركة أوروبا وآسيا يواجهان "المصير الأسود".

المشهد لم يعد مجرد اشتباك موضعي، بل انتقال من منطق الردع المتبادل إلى منطق الفعل المباشر. غير أن الضربة ليست حدثاً معزولاً. فهي تأتي في سياق إقليمي متوتر، حيث تتشابك ملفات غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وتتحول الساحات إلى مسارح رسائل متبادلة، مفادها أن الخليج لم يعد بعيداً عن مرمى الردود غير المباشرة، رغم أن هذه الدول تمثل عقداً استراتيجية في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وأي تهديد لها يرفع منسوب المخاطر إلى مستوى دولي لاسيما السعودية.

إن تلك العنجهية الترامبية وحبه لغريمه نتينياهوا الذي لا ينتهى، لهو انتحارًا ماسونياً بل وأوروبا ومعهم براغماتية التنين الجريح، فالانفجارات في القدس والخليج تعني قطع "حبل الوريد" عن القارة الأوروبية، وزيادة التضخم الذي كان تحت السيطرة سينفجر ليحول المجتمعات الأوروبية إلى ساحات للاضطراب الاجتماعي. وكأننا بالفعل أمام "التحول الأخضر" الذي سيؤجل لعقود، ويُعيد أسطورة الفحم ليكون "ملك الطاقة" في القارة العجوز، في تراجع تاريخي لم يشهده القرن الحادي والعشرون. كما أن الصين رغم الضرر، ستتحرك بعقلية "النسر"، لتفعيل خطوط الأنابيب البرية من روسيا بأقصى طاقة، وستستغل حاجة الدول المحاصرة بالحروب لشراء نفطها بـ "اليوان" وبخصومات "الدم"، مما يسرع من سقوط الهيمنة الدولارية على سوق الطاقة.

والسؤال.. هل هو "غضب جارف" أم "انتحار استراتيجي"؟، استهداف دول خليجية مستقرة في سياق الرد أو الرد المضاد، يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على حماية حلفائها وأن لا أمان لها، وهي نقطة التحول التي مللنا من التحذير منها مراراً في مقالاتنا. فالعجز الأمريكي عن تأمين الإمدادات في ظل الحرب سيسرع من ولادة "نظام طاقي موازٍ" تقوده القوى الأوراسية، حيثُ ظهر جلياً للعالم أن أميركا "تنهب ثروات العالم" عبر الفوضى، لكنها نسيت أن الفوضى في زمن الترابط الاقتصادي هي "نار ستحرق الجميع". ونفط فنزويلا لن يُعوض دمار البنية التحتية في الخليج، ولن تمنع انهيار القوة الشرائية للدولار الذي ارتبط تاريخياً باستقرار النفط.

وقفة: إننا لا نشاهد حرباً على إيران فحسب، بل نشاهد "تفكيكاً قسرياً" للنظام الاقتصادي العالمي الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية، ففي صراع العمالقة على موارد الأرض، لا توجد انتصارات نهائية؛ هناك فقط ضحايا جدد وخرائط يعاد رسمها بمداد من النفط والدم، كما قالها عجوز السياسة هنري كيسنجر (في تأملات متأخرة) @drIbrahimgalal

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير