في واحدة من أكثر اللحظات الجيوسياسية تعقيداً منذ سنوات، وبينما كانت أنظار العالم تتجه نحو التصعيد المتعلق بإيران وأمن الطاقة والممرات البحرية الدولية، اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منصة دولية بارزة ليذكّر العالم بقضية يرى أنها لم تفقد مركزيتها رغم تراجعها في العناوين الرئيسية: فلسطين.
خلال لقائه مع وكالات الأنباء العالمية على هامش منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، قال بوتين إن “مأساة فلسطين نُسيت، لكنها لم تختفِ”، مؤكداً أن الحل الجذري الوحيد للصراع يتمثل في إقامة دولة فلسطينية مكتملة الأركان. وبالنسبة للمراقبين، فإن أهمية التصريح لا تكمن في مضمونه فحسب، بل في توقيته ومكان إطلاقه والجمهور الذي وُجّه إليه.
فروسيا لم تغيّر موقفها الرسمي من القضية الفلسطينية منذ عقود، لكن إعادة التأكيد عليه الآن تحمل دلالات أعمق. فالعالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الدولية، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ السياسي والأخلاقي في آن واحد. وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى تقديم نفسها بوصفها دولة متمسكة بمرجعيات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، في مواجهة نظام دولي ترى أنه يطبق هذه المبادئ بصورة انتقائية.
ومن هذا المنظور، لا تنظر روسيا إلى القضية الفلسطينية باعتبارها نزاعاً إقليمياً فحسب، بل باعتبارها اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه. فبينما تحظى بعض الأزمات باهتمام عالمي واسع وتحركات سياسية عاجلة، ترى موسكو أن معاناة الفلسطينيين الممتدة منذ عقود لم تلقَ المستوى ذاته من الإرادة السياسية الدولية لحلها.
لكن خلف هذا الخطاب المبدئي توجد أيضاً حسابات استراتيجية واضحة. فروسيا تدرك أن القضية الفلسطينية ما زالت تحتفظ بمكانة رمزية وسياسية استثنائية في العالم العربي والإسلامي. ومن خلال تبني خطاب داعم لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، تعزز موسكو حضورها السياسي في منطقة تشهد منافسة محتدمة بين القوى الدولية والإقليمية.
كما أن التصريح الروسي جاء في لحظة تتزايد فيها المخاوف من اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط. وفي الرؤية الروسية، فإن كثيراً من أزمات المنطقة ليست منفصلة عن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تتغذى بصورة مباشرة أو غير مباشرة من غياب تسوية تاريخية عادلة. لذلك تحاول موسكو الربط بين الأمن الإقليمي وبين معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بإدارة تداعياته.
ولعل الرسالة الأكثر أهمية في كلام بوتين تتمثل في رفض تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي بسبب الأزمات الأخرى. فالرئيس الروسي لم يقل إن العالم تخلى عن فلسطين، بل قال إنها “نُسيت”. والفارق بين التعبيرين جوهري؛ إذ يوحي الأول بنهاية الاهتمام، بينما يشير الثاني إلى غياب مؤقت للاهتمام يمكن أن ينتهي بمجرد عودة القضية إلى واجهة الأحداث.
وفي الوقت نفسه، حرص بوتين على التأكيد أن القضية الفلسطينية لا تمثل مجرد ملف سياسي عالق ضمن ملفات المنطقة، بل إنها، من وجهة النظر الروسية، جوهر الصراع التاريخي في الشرق الأوسط وأحد أهم أسباب استمرار حالة عدم الاستقرار. فطالما بقيت القضية دون حل عادل وشامل، فإن التوترات ستظل قابلة للتجدد بأشكال مختلفة، مهما تبدلت التحالفات أو تغيرت موازين القوى.
في النهاية، لا تبدو تصريحات بوتين مجرد إعادة تأكيد على موقف دبلوماسي تقليدي، بل تعكس محاولة لإعادة طرح سؤال ظل عالقاً في قلب السياسة الدولية لعقود: هل يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من دون حل القضية الفلسطينية؟
فالرئيس الروسي لم يكتفِ بالتذكير بمعاناة الفلسطينيين أو بالدعوة إلى إقامة دولتهم المستقلة، بل شدد بصورة واضحة على أن جوهر الصراع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ما زال يرتبط بالقضية الفلسطينية، وأن تجاهلها لا يلغي تأثيرها في أزمات المنطقة المتلاحقة. ومن هذا المنطلق، ترى موسكو أن أي مقاربة تسعى إلى معالجة التوترات الإقليمية من دون معالجة جذورها التاريخية ستبقى حلولاً مؤقتة لا أكثر.
وبينما تتغير التحالفات، وتتصاعد الأزمات، وتتنافس القوى الكبرى على رسم ملامح النظام الدولي الجديد، تبقى فلسطين حاضرة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا قدرة على اختبار صدقية الشعارات المتعلقة بالعدالة والقانون الدولي. وربما أراد الرئيس فلاديمير بوتين من خلال هذه الرسالة أن يذكر العالم بحقيقة بسيطة لكنها مؤثرة: يمكن للأحداث الكبرى أن تزاحم فلسطين في العناوين، لكن لا يمكنها إخراجها من معادلة الشرق الأوسط أو من حسابات المستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت القضية الفلسطينية قد غابت عن المشهد الدولي، بل إلى متى يستطيع العالم تأجيل التعامل مع القضية التي ما زالت، وفق الرؤية الروسية، تمثل جوهر الصراع ومفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط.









