أعترف أنني كلما قرأت عن “خلافٍ غير مسبوق” بين واشنطن وتل أبيب، أتذكر حقيقة سياسية بسيطة تعلمناها من التجارب أكثر مما علمتنا التصريحات: السياسة لا تُقاس بنبرة الصوت، بل بحركة المصالح.
لهذا استوقفتني كلمات النائب الجمهوري توماس ماسي. ليس لأنها صادمة، بل لأنها أعادت النقاش إلى مكانه الطبيعي. ففي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بتحليل ما قيل في المكالمات الهاتفية وما إذا كان الرئيس غاضباً أو مستاءً أو محبطاً، كان ماسي يسأل السؤال الذي يتجنبه الجميع: ماذا عن الأفعال؟
في السياسة الدولية، لا قيمة حقيقية للغضب إذا لم يتحول إلى قرار. ولا معنى للاعتراض إذا بقي محصوراً في البيانات والتصريحات. الدول العظمى لا تمارس نفوذها بالكلمات، بل بالأدوات التي تمتلكها. وعندما تمتلك الولايات المتحدة أكبر أدوات التأثير على إسرائيل مالياً وعسكرياً وسياسياً، فإن المعيار الحقيقي لأي خلاف لا يكون في حدة اللهجة، بل في مدى استعداد واشنطن لاستخدام تلك الأدوات.
من هنا تبدو قراءة توماس ماسي مختلفة. فهو لا يقرأ المشهد من زاوية العلاقات الشخصية بين القادة، بل من زاوية موازين القوة. ولهذا يرى أن استمرار الدعم يعني أن الأساسات ما زالت ثابتة، حتى وإن اهتزت بعض الجدران الإعلامية من حولها.
ولعل ما يمنح هذا الطرح أهمية إضافية أنه يصدر عن نائب جمهوري محافظ. فالرجل لا يتحدث من خارج المؤسسة السياسية الأمريكية، بل من داخلها. وهذا يكشف أن الأسئلة التي كانت تُطرح همساً قبل سنوات، أصبحت اليوم تُطرح بصوت أعلى. لم يعد الجدل مقتصراً على اليسار الأمريكي أو على النخب الأكاديمية، بل بدأ يجد مكاناً له داخل تيارات محافظة تسأل عن كلفة السياسات الخارجية وجدواها.
وأظن أن جوهر المسألة لا يتعلق بإسرائيل وحدها. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بعلاقة المواطن الأمريكي بالسياسة الخارجية لبلاده. فحين يشعر دافع الضرائب أن أمواله تذهب إلى ملفات لا يرى فيها مصلحة مباشرة له، يصبح من الطبيعي أن يطالب بالمراجعة والمساءلة. وعندما تتكرر هذه المطالب، فإنها تتحول مع الوقت من أصوات فردية إلى تيار سياسي يصعب تجاهله.
لهذا لا أرى أن أهمية تصريحات توماس ماسي تكمن في نقده لسياسة معينة بقدر ما تكمن في كشفه للمعيار الذي يجب أن نقيس به الأحداث. فكم من خلافٍ ملأ الشاشات ثم اختفى دون أثر؟ وكم من تصريحٍ هزّ العناوين لكنه لم يغيّر شيئاً على الأرض؟ وكم من أزمةٍ قيل إنها تاريخية ثم انتهت إلى استمرار الواقع كما هو؟
إن السياسة، في نهاية المطاف، ليست ما يقال أمام الكاميرات، بل ما يُكتب في الموازنات، وما يُوقّع في الاتفاقيات، وما يُعتمد من قرارات.
ولذلك، وبينما ينشغل العالم بتفاصيل المكالمات والرسائل المتبادلة، يبقى السؤال الذي طرحه توماس ماسي معلقاً فوق المشهد كله: إذا كانت واشنطن تريد فعلاً تغيير السلوك الإسرائيلي، فأين أثر ذلك في السياسات؟
سؤالٌ بسيط في صياغته، لكنه ثقيل في معناه. وربما لهذا السبب تحديداً يفضّل كثيرون الحديث عما قيل بين القادة، بدلاً من الحديث عما فُعل على الأرض.
أما أنا، فأعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ستبقى المعيار الأكثر صدقاً لفهم طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية؛ لأن السياسة، مهما ارتفع ضجيجها، تكشف حقيقتها دائماً في الأفعال لا في الأقوال.









