23 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فلسطين… حين يصبح الصمود آخر ما يملكه الإنسان

من يتابع المشهد الفلسطيني يدرك أن ما يجري لم يعد حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيان سياسي أو هدنة مؤقتة. فنحن أمام أزمة تتشابك فيها السياسة بالتاريخ، والأمن بالاقتصاد، والإنسان بالجغرافيا.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 3 ساعة
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين (أ.ف.ب).jpeg

أطفال فلسطينيون يشقون طريقهم بين أنقاض المباني في مخيم الشاطئ للاجئين (أ.ف.ب).jpeg

هناك أوطان تُكتب أخبارها في صفحات السياسة، وهناك أوطان يكتبها الناس بدموعهم وذكرياتهم وأحلامهم المؤجلة. وفلسطين، اليوم، تنتمي إلى الفئة الثانية؛ فهي ليست مجرد رقعة جغرافية تتنازعها المصالح، بل حكاية إنسانية تختبر في كل يوم معنى الكرامة، والقدرة على التشبث بالحياة وسط واقع يبدو وكأنه يرفض الحياة نفسها.

من يتابع المشهد الفلسطيني يدرك أن ما يجري لم يعد حدثًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيان سياسي أو هدنة مؤقتة. فنحن أمام أزمة تتشابك فيها السياسة بالتاريخ، والأمن بالاقتصاد، والإنسان بالجغرافيا. وكل محاولة لاختزال القضية في مشهد واحد أو رواية واحدة تفقدها حقيقتها الأكثر عمقًا؛ فالقضية الفلسطينية ليست مجرد صراع على الأرض، بل هي قضية عدالة وحقوق وهوية ومستقبل.

في قطاع غزة، لا تبدو المأساة مجرد أرقام تُعلن في نشرات الأخبار؛ فكل رقم يحمل اسمًا، وكل اسم يحمل قصة، وكل قصة كانت تملك حلمًا بسيطًا: بيتًا آمنًا، أو مدرسة، أو فرصة لحياة كريمة. لكن الحروب لا تكتفي بهدم المباني، بل تهدم معها الإحساس بالأمان، وتزرع في ذاكرة الأطفال مشاهد قد لا تمحوها السنوات. ولذلك، فإن الخسارة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبنية المدمرة، وإنما بما يتآكل داخل الإنسان عندما يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.

وفي الضفة الغربية، يستمر التوتر بوصفه تذكيرًا دائمًا بأن جذور الأزمة ما زالت قائمة. فالاستقرار لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، كما أن القوة، عبر عقود طويلة، لم تنجح في إنهاء الصراع أو إقناع الشعوب بالتخلي عن حقوقها وتطلعاتها. وكلما غاب الأفق السياسي، ازداد المشهد تعقيدًا، واتسعت دائرة المعاناة، وابتعدت فرص الوصول إلى سلام حقيقي.

وفي قلب هذا المشهد، تقف القدس المحتلة، عاصمة فلسطين وقلبها النابض، شاهدة على واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا. فالقدس ليست مجرد مدينة ذات مكانة دينية وتاريخية، بل هي رمز للهوية الوطنية الفلسطينية ووجدان شعبها. ومع ذلك، ما زالت تعيش واقعًا من العزلة عن محيطها الفلسطيني بسبب القيود والإجراءات المفروضة على حركة سكانها والوصول إليها، الأمر الذي يؤثر في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين فيها وحولها.

ويبقى السؤال حاضرًا: إلى متى سيستمر حرمان آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى مدينتهم بحرية؟ وإلى متى سيبقى سكان القدس يواجهون إجراءات تؤثر في حقوقهم وحياتهم اليومية؟ إن الحفاظ على هوية القدس، واحترام مكانتها الدينية والتاريخية، وضمان حقوق سكانها، تمثل عناصر أساسية لأي رؤية تسعى إلى تحقيق سلام عادل ومستدام. فالقدس ليست مجرد نقطة في خريطة الصراع، بل هي جزء أساسي من مستقبل المنطقة، وأي حل سياسي لا يتعامل مع مكانتها وحقوق أهلها سيبقى ناقصًا وغير قادر على معالجة جذور الأزمة.

أما المجتمع الدولي، فيقف اليوم أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بإصدار بيانات الإدانة أو التعبير عن القلق، بل بمدى استعداده لتحويل مبادئ القانون الدولي إلى إجراءات عملية. فمن وجهة نظري، فإن الاكتفاء بفرض عقوبات على أفراد من المستوطنين أو على بعض المسؤولين الإسرائيليين لا يرقى إلى مستوى المسؤولية التي يفرضها حجم المأساة. فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تقودها أحزاب اليمين، هي صاحبة القرارات والسياسات التي تؤثر في حياة الفلسطينيين، فإن المساءلة ينبغي أن تتناول الحكومة وسياساتها، لا أن تقتصر على أفراد بعينهم. فالمسؤولية السياسية تقع على الجهات التي تضع السياسات وتشرف على تنفيذها، ولذلك فإن أي إجراءات دولية فعالة يجب أن تستند إلى القانون الدولي وآلياته، وأن تهدف إلى حماية المدنيين ووقف الانتهاكات، بدلًا من الاكتفاء بخطوات رمزية لا تعالج جوهر المشكلة.

وربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو أن الفلسطيني، رغم كل ما يحيط به من دمار ومعاناة، لا يزال يبحث عن تفاصيل الحياة. طفل يحمل حقيبته إلى مدرسة أعيد افتتاحها، وطبيب يواصل أداء واجبه رغم شح الإمكانات، وأم تحاول أن تمنح أبناءها شعورًا بالأمان وسط واقع مضطرب. هذه المشاهد لا تعني غياب الألم، بل تؤكد أن الإنسان قادر على التمسك بالأمل حتى في أقسى الظروف.

إن السلام الحقيقي لا يولد من رحم القوة وحدها، ولا من موازين المصالح المتغيرة، بل من احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وضمان العدالة والمساءلة، ووجود إرادة سياسية صادقة تضع حدًا لدوامة العنف. فكل يوم يتأخر فيه السلام يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من المعاناة التي يدفع ثمنها المدنيون قبل غيرهم.

ستبقى فلسطين أكثر من عنوان سياسي، وأكثر من ملف على طاولة المفاوضات. إنها مرآة تعكس قدرة الإنسان على الصمود، واختبار دائم لضمير العالم. وبين الألم الذي لا يمكن إنكاره، والأمل الذي لا ينطفئ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيظل العالم يكتفي بالمشاهدة وإدارة الأزمة، أم أنه سيتحرك لتطبيق مبادئ العدالة الدولية، وحماية المدنيين، ودعم مسار يؤدي إلى سلام عادل ومستدام يضمن الكرامة والحقوق لجميع البشر؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

فلسطين… حين يصبح الصمود آخر ما يملكه الإنسان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°