ليست البيانات الختامية لقمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) مجرد نصوص بروتوكولية، بل وثائق سياسية ترسم ملامح المرحلة المقبلة. وما بين سطور البيان الأخير تتجلى حقيقة تبدو للوهلة الأولى متناقضة؛ فبينما تتصاعد التصريحات الأمريكية عن إمكانية تحريك مسار التفاوض مع موسكو، يواصل الحلف تعزيز ترسانته العسكرية، وتكريس روسيا باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول لأوروبا، والتعهد باستمرار دعم أوكرانيا لسنوات قادمة.
قد يبدو ذلك تناقضًا، لكنه في الواقع يعكس إحدى القواعد الثابتة في العلاقات الدولية: لا أحد يتفاوض من موقع الضعف. فالدبلوماسية، في عالم القوى الكبرى، ليست بديلًا عن القوة، بل امتدادًا لها. ولهذا، فإن الناتو لا يرى تعارضًا بين الحديث عن التسوية السياسية وبين زيادة الإنفاق العسكري، لأن الهدف من وجهة نظره هو دخول أي مفاوضات بأوراق ضغط أكبر.
غير أن هذا المشهد يكشف أيضًا عن تحول مهم في التفكير الغربي. ففي الأشهر الأولى من الحرب، كان الخطاب السائد يتحدث عن هزيمة روسيا استراتيجيًا، وإضعافها لعقود مقبلة، وربما إعادة تشكيل توازنات القوة داخلها. أما اليوم، فقد تراجعت تلك الشعارات لتحل محلها لغة أكثر حذرًا وواقعية، تركز على استدامة الدعم، وتعزيز الردع، ومنع توسع الحرب.
هذا التحول لا يعني أن الغرب غيّر موقفه من روسيا، بل يعني أنه أعاد تقييم حدود القوة. فقد أثبتت الحرب أن روسيا ليست الدولة التي يمكن إسقاطها بالعقوبات وحدها، كما أن أوكرانيا، رغم ما تلقته من دعم غير مسبوق، لم تستطع تحقيق الحسم العسكري الذي كانت تعول عليه العواصم الغربية. وفي المقابل، لم تتمكن موسكو أيضًا من فرض تسوية نهائية وفق رؤيتها. وهكذا دخل الجميع في معادلة استنزاف طويلة، لا يملك فيها أي طرف القدرة على تحقيق نصر كامل.
في رأيي، فإن الرسالة الأهم التي يحملها بيان الناتو ليست استمرار الدعم العسكري، فهذا أمر كان متوقعًا، وإنما غياب الحديث عن انضمام أوكرانيا إلى الحلف بالشكل الذي كان حاضرًا بقوة في بيانات سابقة. وقد يكون ذلك مؤشرًا على إدراك متزايد داخل بعض العواصم الغربية بأن هذا الملف أصبح من أكثر القضايا تعقيدًا، وأن الإصرار عليه قد يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة.
في الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسير على خيط رفيع. فهي تريد الحفاظ على تماسك الحلف وعدم إظهار أي تراجع أمام موسكو، لكنها تدرك أيضًا أن الحرب المفتوحة تستنزف الجميع، وأن المنافسة مع الصين تفرض عليها توزيع مواردها الاستراتيجية بحذر. ومن هنا يمكن فهم استمرار الاتصالات السياسية مع روسيا بالتوازي مع استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا.
أما روسيا، فهي تراهن على عامل الزمن. فهي تدرك أن المجتمعات الغربية أقل قدرة على تحمل الحروب الطويلة، وأن الضغوط الاقتصادية، وتبدل الحكومات، والانقسامات السياسية قد تؤثر في وحدة الموقف الغربي. كما تراهن على أن الوقائع الميدانية، إذا استمرت في التطور لصالحها، ستفرض نفسها في نهاية المطاف على طاولة التفاوض.
لكن السؤال الجوهري هو: هل اقترب السلام فعلًا؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في طبيعة الأهداف التي يسعى إليها كل طرف. فإذا بقيت المطالب القصوى هي سقف التفاوض، فإن الحرب ستستمر، مهما تعددت المبادرات والوساطات. أما إذا اقتنع الجميع بأن التسوية السياسية لا تعني انتصار طرف وهزيمة آخر، بل إيجاد صيغة تمنع اندلاع مواجهة أكبر، فإن فرص السلام ستصبح أكثر واقعية.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي عندما تنفد الذخيرة، بل عندما تنضج القناعة السياسية بأن استمرارها أصبح أكثر كلفة من إنهائها. وحتى الآن، لا يبدو أن هذه اللحظة قد حانت بالكامل، لكنها ربما أصبحت أقرب مما كانت عليه قبل عامين.
إن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق. فإذا استمر منطق الردع وحده في إدارة الأزمة، فقد تدخل أوروبا مرحلة جديدة من سباق التسلح والاستقطاب، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الدولي. أما إذا نجحت الدبلوماسية في استثمار ما تحقق على الأرض وتحويله إلى تسوية متوازنة، فقد يكون بالإمكان وضع حد لأكثر الحروب الأوروبية خطورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي تقديري، فإن بيان الناتو لا يُغلق باب السلام، لكنه يؤكد أن الطريق إليه لن يكون مفروشًا بحسن النوايا، بل بتوازنات القوة. وفي عالم السياسة، لا يُصنع السلام حين يقتنع المتحاربون بأنهم قادرون على الانتصار، وإنما حين يدركون أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من أي مكسب يمكن أن تحققه.
وربما تكون هذه هي الحقيقة التي ستحدد مستقبل أوكرانيا، ومستقبل أوروبا، وربما شكل النظام الدولي خلال العقد المقبل.









