20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين تتفاوض المدافع

كلما راقبتُ ما يجري في الشرق الأوسط، ازددتُ قناعةً بأن هذه المنطقة لا تعرف التوقيت التقليدي للحروب ولا للمفاوضات

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 1 يوم
4 دقائق قراءة
8 مشاهدة
صراعات الشرق الأوسط

صراعات الشرق الأوسط

كلما راقبتُ ما يجري في الشرق الأوسط، ازددتُ قناعةً بأن هذه المنطقة لا تعرف التوقيت التقليدي للحروب ولا للمفاوضات. ففي أماكن أخرى، تُفتح قاعات التفاوض بعد أن تصمت البنادق، أما هنا فإن الوسطاء يصلون بينما لا يزال الدخان يتصاعد، وتُكتب مسودات الاتفاقات على وقع الانفجارات، وكأن السياسة لم تعد تنتظر نهاية المعركة، بل أصبحت جزءًا منها.

لهذا، لم أعد أفصل بين الميدان وطاولة المفاوضات. فما يحدث على الجبهة ليس مجرد قتال، بل رسالة تفاوضية، وما يُقال في البيانات الدبلوماسية ليس مجرد لغة سياسية، بل امتداد لمعركة تُخاض بوسائل مختلفة. هنا تتحول الأرض إلى ورقة تفاوض، وتصبح المفاوضات ساحة قتال بوسائل أكثر هدوءًا، لكنها أشد تعقيدًا.

إنها مفارقة الشرق الأوسط؛ فكلما ارتفع منسوب النار، ازداد الحديث عن السلام، وكلما اقترب الوسطاء من تفاهم، سارعت الجبهات إلى فرض واقع جديد. وكأن الحرب والمفاوضات لم تعودا نقيضين، بل وجهين لعملة واحدة، يتبادلان الأدوار دون أن يغادر أحدهما المشهد.

وفي تقديري، فإن الحروب التي تعيشها المنطقة اليوم لم تعد مجرد صراع على الأرض، كما أن المفاوضات لم تعد مجرد بحث عن هدنة. إنها معركة على المستقبل، وعلى شكل الإقليم، وعلى خرائط النفوذ، وعلى من يملك حق كتابة الرواية السياسية عندما يصمت السلاح. لذلك، لم تعد الطلقة مجرد فعل عسكري، بل رسالة سياسية، ولم يعد البيان الدبلوماسي مجرد كلمات، بل تعبيرًا عن ميزان القوة وحسابات الردع.

لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن القوة العسكرية قادرة على تغيير الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعيةً سياسية. وفي المقابل، تستطيع الدبلوماسية أن تؤجل الانفجار، لكنها تعجز عن إلغائه إذا بقيت أسباب الصراع على حالها. ومن هنا تتكرر الحلقة ذاتها: حرب تلد هدنة، وهدنة تلد مفاوضات، ومفاوضات تتعثر، فتعود الحرب لتفرض نفسها من جديد.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه اليوم أن الجميع يتفاوض، لكن لكل طرف ساعته الخاصة. فالمقاتل على الجبهة يقيس الزمن بالدقائق، والدبلوماسي يقيسه بجولات الحوار، والقوى الكبرى تقيسه بمصالحها الاستراتيجية، أما المدني الذي يعيش تحت القصف فلا يملك رفاهية حساب الوقت؛ إنه يبحث فقط عن يوم يمر من دون أن يفقد بيتًا، أو قريبًا، أو حلمًا جديدًا.

ومن هنا، تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالةً من «السلام المؤجل». فلا أحد يريد حربًا شاملة لما تحمله من أثمان باهظة، ولا أحد يبدو مستعدًا لدفع ثمن السلام الحقيقي. لذلك، يتحول التصعيد إلى أداة ضغط، وتتحول التهدئة إلى فرصة لإعادة التموضع، بينما يبقى الاستقرار مؤجلًا إلى إشعار آخر.

لكن السؤال الذي يشغلني ليس ما إذا كانت المفاوضات ستنجح في وقف إطلاق النار، بل ما إذا كانت قادرة أصلًا على وقف منطق النار. فالتاريخ يخبرنا أن الاتفاقات التي تُبنى على ميزان القوة وحده تظل هشة، وأن السلام الذي لا يقوم على العدالة سرعان ما يتحول إلى هدنة قصيرة تنتظر أول اختبار.

وأعتقد أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يمكن وصفها بالحرب ولا بالسلام، بل بإدارة الصراع. مرةً بالصواريخ، ومرةً بالوساطات، ومرةً بالعقوبات، ومرةً بالضغوط السياسية. وفي هذه المعادلة، لم تعد المفاوضات بديلًا عن الحرب، بل أصبحت إحدى أدواتها، تمامًا كما أصبحت الحرب إحدى وسائل التفاوض.

ويبقى السؤال معلقًا فوق سماء المنطقة: هل تقود هذه النار أخيرًا إلى تسوية تاريخية، أم أنها ليست سوى محطة جديدة في صراع لم يعثر بعد على نهايته؟

إلى أن تأتي الإجابة، سيظل الشرق الأوسط يعيش بين هدنة لا تكفي لصنع السلام، وحرب لا تنجح في حسم الصراع. وستظل الحقيقة الأكثر قسوة أن المنطقة تتفاوض وهي تقاتل، وتقاتل وهي تتفاوض. وربما لهذا السبب، لم يعد العنوان الأنسب لما نعيشه هو الحرب أو السلام، بل ذلك المشهد الذي يختصر المرحلة كلها: «حين تتفاوض المدافع».

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير