لم تعد القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي عالق في أروقة الأمم المتحدة، ولا نزاعاً حدودياً يمكن احتواؤه ببيانات التهدئة والوساطات المؤقتة. ما يحدث اليوم يثبت أن فلسطين تحولت إلى مركز الزلزال الذي تهتز على وقعه المنطقة بأكملها، وأن تجاهل جذور الأزمة لم يصنع سلاماً، بل راكم الانفجارات والحروب وأعاد إنتاج الفوضى بصورة أكثر خطورة.
في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يبدو الفلسطيني وكأنه يعيش المأساة ذاتها بأسماء مختلفة: حصار، تهجير، قصف، تجويع، وحرمان من أبسط حقوق الحياة، بينما يقف العالم أمام هذا المشهد ببرود سياسي وأخلاقي يثير الذهول، حتى بات الدم الفلسطيني يُستهلك يومياً في نشرات الأخبار وكأنه رقم عابر لا يستحق التوقف.
لكن ما يجري في فلسطين لم يعد شأناً محلياً أو قضية تخص شعباً تحت الاحتلال فقط، بل أصبح عاملاً رئيسياً في رسم ملامح التوتر الإقليمي والدولي. فمن جنوب لبنان المشتعل على وقع الغارات والتصعيد المستمر، إلى المواجهة المفتوحة بين إيران والضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وصولاً إلى التهديدات المتكررة في مضيق هرمز وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، تتكشف حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: كل طرق الأزمات في الشرق الأوسط تعود في النهاية إلى فلسطين.
لقد أثبتت العقود الماضية أن إدارة الصراع لم تنجح في إنهائه، وأن القمع لم يصنع استقراراً دائماً، كما أن الاحتلال لم يتحول ـ رغم مرور الزمن ـ إلى واقع قابل للتسليم أو النسيان. فكل محاولة لتجاوز الحقوق الفلسطينية أو القفز فوق معاناة ملايين البشر كانت تنتج جيلاً جديداً من الغضب، وموجة جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار.
والأخطر من استمرار الاحتلال نفسه، هو الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية. فالعالم منشغل دائماً بالحديث عن “احتواء التصعيد” و”منع الحرب الإقليمية”، لكنه يتجنب السؤال الجوهري: لماذا تنفجر المنطقة أساساً؟ ولماذا تعود دوائر العنف كل مرة بصورة أكثر تعقيداً واتساعاً؟
لقد أصبح واضحاً أن التعامل مع نتائج الأزمة دون معالجة أصلها لم يعد ممكناً. فلا الاتفاقات المؤقتة نجحت في فرض سلام حقيقي، ولا الضغوط العسكرية استطاعت إنهاء الصراع، ولا التحالفات السياسية الجديدة تمكنت من تجاوز حقيقة أن ملايين الفلسطينيين ما زالوا يعيشون بلا دولة، ولا أمن، ولا أفق سياسي واضح.
ولم يتوقف تأثير القضية الفلسطينية عند حدود الشرق الأوسط، بل امتد ليكشف حجم التناقضات داخل الدول التي تتحدث باستمرار عن حقوق الإنسان والحريات. فقد شاهد العالم حملات القمع والتنكيل بالمتضامنين مع فلسطين، واعتقال الطلاب والنشطاء، وملاحقة الأصوات الرافضة للحرب، في مشهد كشف أن فلسطين لم تعد مجرد قضية سياسية خارجية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لصدقية القيم التي يتغنى بها العالم الحر.
كما أن التعامل الذي شهده العالم مع ناشطي “أسطول الحرية” والمتضامنين الدوليين، وما رافقه من خطاب متشدد وممارسات قاسية ارتبطت بسياسات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، أعاد تسليط الضوء على طبيعة المقاربة القائمة على القوة والقمع بدلاً من المعالجة السياسية والإنسانية. وقد بدا واضحاً أن حتى الأصوات الدولية المطالبة بوقف الحرب وكسر الحصار أصبحت تُواجَه بعقلية أمنية متطرفة، الأمر الذي عمّق صورة الأزمة أمام الرأي العام العالمي، وزاد من حالة الغضب الشعبي والتضامن الدولي مع الفلسطينيين.
لقد تحولت الجامعات والساحات العامة في كثير من الدول إلى مساحات مواجهة أخلاقية وسياسية، حيث بدا واضحاً أن مجرد رفع صوت التضامن مع الفلسطينيين قد يعرّض صاحبه للعقوبات أو التشهير أو القمع. وهذا وحده يكشف أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في ضمير الشعوب، رغم كل محاولات التهميش والإقصاء.
واليوم، بدأت حتى القوى الدولية الكبرى تدرك أن أمن الملاحة الدولية، واستقرار الاقتصاد العالمي، وحماية أسواق الطاقة، ومنع اندلاع الحروب الواسعة، كلها أهداف يصعب تحقيقها دون معالجة جذرية وعادلة للقضية الفلسطينية. ففلسطين لم تعد قضية شعب يبحث عن الحرية فقط، بل أصبحت عقدة سياسية وأمنية وأخلاقية تؤثر في توازنات العالم بأسره.
ومع كل جولة تصعيد جديدة، يتأكد أن محاولات دفن القضية الفلسطينية لم تُنهها، بل حوّلتها إلى بركان تحت أقدام الجميع. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: متى تُحل القضية الفلسطينية؟ بل: كم حرباً أخرى يحتاج العالم قبل أن يدرك أن تجاهل فلسطين هو أخطر تهديد دائم لاستقرار الشرق الأوسط؟







