في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل فيصل الحسيني، "أبو العبد"، لا تستحضر القدس سياسيًا فلسطينيًا عابرًا، بل تستعيد واحدًا من أبنائها الذين التصق اسمهم بها حتى بات ذكره جزءًا من ذاكرتها الجماعية. كان رجلًا من طراز نادر؛ حمل القدس في وجدانه كما حملته المدينة في وجدانها، حتى غدا حضوره مرادفًا لحضورها، وصوته امتدادًا لصوتها في أصعب مراحل تاريخها المعاصر.
وُلد فيصل الحسيني في بيتٍ صاغته الوطنية الفلسطينية قبل أن تصوغه السياسة. فهو ابن القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، بطل القسطل والمدافع عن القدس عام 1948، وحفيد الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس ورئيس الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين. وبين الجد والأب والابن، امتد خيط متصل من الالتزام بقضية القدس والدفاع عن هويتها العربية والإسلامية.
لكن فيصل لم يعش أسير إرث العائلة، بل صنع إرثه الخاص. ففي زمن تبدلت فيه أدوات الصراع، انتقل من ساحات المواجهة التقليدية إلى معركة الحفاظ على الوجود الفلسطيني داخل القدس. عمل على بناء المؤسسات الوطنية، ورعاية المبادرات الثقافية والاجتماعية، وترسيخ حضور الفلسطينيين في مدينتهم، مؤمنًا بأن الدفاع عن القدس لا يكون بالشعارات وحدها، بل بحماية الإنسان والذاكرة والمكان.
ولم يكن أبو العبد مجرد مدافع عن الوجود الفلسطيني في القدس، بل كان من أكثر الشخصيات الفلسطينية تمسكًا بالثوابت الوطنية والدفاع عنها بإيمان راسخ وثبات لا يتزعزع. كان يرى أن القدس ليست قضية من قضايا الفلسطينيين، بل هي قلب القضية وروحها، وأن التفريط بها يعني التفريط بجوهر المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك خاض معاركه السياسية والدبلوماسية بثقة وهدوء، دون ضجيج أو استعراض، لكنه لم يتراجع يومًا عن المبادئ التي آمن بها.
جمع فيصل الحسيني بين الحكمة السياسية والصلابة الوطنية. كان يحاور العالم بلغة العقل والقانون والشرعية الدولية، لكنه ظل متمسكًا بحقوق شعبه التاريخية غير القابلة للمساومة. جاب العواصم والمنابر الدولية مدافعًا عن الرواية الفلسطينية، وحمل قضية القدس إلى المحافل العالمية، مؤمنًا بأن الدبلوماسية ليست تنازلًا عن الحقوق، بل أداة لحمايتها وانتزاع الاعتراف بها. وفي زمن كثرت فيه الضغوط والإغراءات والتعقيدات السياسية، بقي ثابتًا على مواقفه، صلبًا في قناعاته، وإصراره لا يلين.
كان أقرب إلى "حارس القدس" منه إلى مسؤول سياسي. عرفه المقدسيون في الشوارع والأحياء والبيوت كما عرفوه في المؤتمرات الدولية. لم يكن منفصلًا عن الناس، بل كان واحدًا منهم، يحمل همومهم اليومية ويجسد في شخصيته صورة القائد الوطني الذي يكتسب شرعيته من شعبه قبل أي منصب أو موقع.
وعندما رحل في أيار/مايو 2001، لم يكن وداعه حدثًا بروتوكوليًا أو مناسبة حزبية عابرة. تحولت جنازته إلى مشهد وطني استثنائي قلّ أن عرف الفلسطينيون مثله. تدفقت الجماهير نحو القدس من مختلف المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، في مسيرة وفاء بدت وكأنها استفتاء شعبي على مكانة الرجل في الوجدان الوطني.
في ذلك اليوم، امتلأت شوارع القدس بالآلاف المؤلفة من المشيعين. واختفت، ولو لساعات، كل الحواجز النفسية والجغرافية أمام مشهد الوحدة الوطنية. بدت المدينة وكأنها استعادت روحها كاملة، وكأن الفلسطينيين جميعًا قرروا أن يجعلوا من وداع فيصل الحسيني مناسبة وطنية جامعة، يتقدم فيها الانتماء للقدس على كل ما عداه.
لم تكن القدس يومها محررة بالمعنى السياسي، لكن من شهد ذلك المشهد شعر أن المدينة تحررت وجدانيًا من قيود كثيرة. فقد بدت، ولو ليوم واحد، مدينة فلسطينية موحدة تحتضن أبناءها القادمين من كل اتجاه، وتفتح ذراعيها لرجل أفنى عمره في الدفاع عنها. كان ذلك اليوم انتصارًا للذاكرة الوطنية، وللقدرة الفلسطينية على الاجتماع حول رمز جمع الناس أكثر مما فرّقهم.
في مشهد الوداع، التقت ثلاثة أجيال من التاريخ الفلسطيني: جيل الحاج أمين الحسيني، وجيل عبد القادر الحسيني، وجيل فيصل الحسيني. وكان المشيعون يدركون أنهم لا يودعون رجلًا فحسب، بل يودعون فصلًا كاملًا من فصول القدس المعاصرة.
وبعد خمسة وعشرين عامًا، ما زال اسم فيصل الحسيني حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات التصاقًا بالقدس وقضيتها. فقد رحل الجسد، لكن بقيت السيرة، وبقيت المدينة التي أحبها شاهدة على رجل اختار أن يجعل من حياته جسرًا بين القدس وأبنائها، ومن نضاله عنوانًا للثبات والوفاء.
رحم الله فيصل الحسيني. ففي زمن تتغير فيه الوجوه والخرائط، تبقى بعض الشخصيات أكبر من الغياب، لأنها تتحول إلى جزء من روح المكان. وكان أبو العبد واحدًا من هؤلاء القادة الذين لم يورثوا شعبهم ذكرى فحسب، بل تركوا لهم نموذجًا في الصمود، والثبات على المبادئ، والإيمان بأن القدس ستبقى البوصلة مهما اشتدت العواصف.










