16 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. سنية الحسيني تكتب: هل تتكبّد المنطقة أثمانا باهظة في سبيل مصالح دونالد ترامب الخاصة؟

اتهم عديدون إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنها شنّت الحرب على إيران من أجل إسرائيل، التي لم تخفِ رغبتها المعلنة في جر الولايات المتحدة معها إليها، بينما فشلت في جر الإدارات السابقة له. وتدفع دول المنطقة منذ ذلك الوقت تبعات تطورات تلك الحرب وقرارات ترامب بخصوصها، سواء في إطار علاقاتها الإقليمية المتبادلة أو الأمن الإقليمي عموماً أو حتى في الاستقرار الأمني الداخلي لبعض منها.

بقلم: د. سنية الحسيني
منذ 9 ساعة
1 دقائق قراءة
8 مشاهدة
د. سنية الحسيني تكتب: هل تتكبّد المنطقة أثمانا باهظة في سبيل مصالح دونالد ترامب الخاصة؟

د. سنية الحسيني تكتب: هل تتكبّد المنطقة أثمانا باهظة في سبيل مصالح دونالد ترامب الخاصة؟

اتهم عديدون إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنها شنّت الحرب على إيران من أجل إسرائيل، التي لم تخفِ رغبتها المعلنة في جر الولايات المتحدة معها إليها، بينما فشلت في جر الإدارات السابقة له. وتدفع دول المنطقة منذ ذلك الوقت تبعات تطورات تلك الحرب وقرارات ترامب بخصوصها، سواء في إطار علاقاتها الإقليمية المتبادلة أو الأمن الإقليمي عموماً أو حتى في الاستقرار الأمني الداخلي لبعض منها. وتبدو معادلة الحرب ضد إيران أكثر تعقيداً على المنطقة في ضوء شخصية ترامب، القادم من عالم المال والأعمال، الذي يتقن فن عقد الصفقات وتعظيم المكاسب الاقتصادية أكثر بكثير من اعتماد المقاربات التقليدية في السياسة والدبلوماسية. يثير ترابط تلك القضايا تساؤلاً جوهرياً: هل كانت قرارات ترامب خلال هذه الحرب محكومة بالاعتبارات السياسة فقط، أم أن هناك مصالح اقتصادية وشخصية لترامب تلعب دوراً في توجيهها، وجاءت على حساب استقرار دول المنطقة؟
تثبت البيانات أن تصريحات ترامب وقراراته الخاصة بالحرب على إيران، والهدن التي ارتبطت بها، أثّرت على حراك السوق واتجاهاته. فقد استفاد عدد من شركات الدفاع وارتفعت أسهمها مع بداية الحرب. كما رفع التصعيد أو التهديد بضرب إيران أسعار النفط وأسهم شركات الطاقة، ما أثر على مؤشرات أسعار أسهم شركات الطيران والنقل والتكنولوجيا. على العكس، خفض الترويج للهدن والمفاوضات أسعار أسهم شركات الطاقة، ورفع أسهم شركات متخصصة في مجالات أخرى. ويمتلك ترامب أسهماً في شركات دفاع وتكنولوجيا وطاقة تتأثر بقراراته التي تتعلق بمجريات الحرب على إيران.
يمتلك ترامب علاقة مالية رسمية ومعلنة بسوق الأسهم، ولم يتخلَ عنها عندما وصل للسلطة، كما جرى العرف مع الرؤساء الذين سبقوه. وقد أوصى مكتب الأخلاقيات الحكومية ترامب في بداية حقبته الرئاسية الأولى بالتخلص من مصالحه المالية المتعارضة مع التزاماته الرئاسية. واختار الرؤساء السبعة الذين سبقوه، بعد صدور قانون أخلاقيات الحكومة في العام ١٩٧٨، الذي يطالب الرؤساء بالإفصاح عن المصالح المالية والمعاملات الخاصة بهم، إما بيع تلك المصالح المتعارضة مع مسؤولياتهم الرئاسية، وإما وضعها في صندوق أعمى، لا يعرف عن تفاصيل معاملاته بالمطلق طوال سنوات الولاية. وتؤثر القرارات والتصريحات السياسية الرسمية في الولايات المتحدة على مناخ السوق وأسعار الأسهم. ويتابع ترامب سوق الأسهم ويعتبره مقياساً مهماً يعكس نجاح حقبته الرئاسية.
ويحتفظ ترامب بشركة عامة باسمه، ومحافظ تحتوي على سندات وأسهم. وتقع قيمة الأسهم في صندوق ترامب الاستثماري التي أفصح عنها عندما وصل للسلطة ضمن أعلى فئة موجودة في الولايات المتحدة، والتي تتخطى الخمسين مليون دولار. ويعتبر ترامب المستفيد الوحيد من الصندوق، ويستمر الصندوق بالاحتفاظ بحق شراء وبيع الأسهم، خلال حقبة ترامب الرئاسة. ورغم تصريح ترامب أن هناك من يدير المعاملات في صندوقه، إلا أن مديراً سابقاً في مكتب الأخلاقيات الحكومية يؤكد أن ترتيبات ترامب المالية لا تقترب من مفهوم الصندوق الأعمى المتعارف عليه. ويتعامل صندوق ترامب الاستثماري مع شركات تختص بالعملات الرقمية والبنوك والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والرقائق والطاقة والدفاع، مثل أبل وتسلا وإنفيديا للرقائق وبوينغ وشركة الدفاع لوكهيد مارتن. وتتأثر مصالح تلك الشركات الكبرى في الولايات المتحدة بقرارات إدارة ترامب، كقراراتها التي ارتبطت بالتعريفات الجمركية وحظر الاستيراد والحرب والهدنة، الأمر الذي يخلق تقاطعاً واضحاً في المصالح. ونفذ صندوق ترامب خلال الربع الأول من العام الجاري فقط أكثر من ٣٦٠٠ عملية شراء وبيع لأسهم في تلك الشركات. وتكشف الإفصاحات الرسمية لترامب ضخامة التداول واتساع الملكية، لكنها لا تكشف بدقة مقدار الأرباح من تجارة الأسهم.


خلال الحرب، تأثر السوق بتصريحات ترامب، حتى وإن لم تكن تعكس سياسات واقعية ارتبطت بتلك التصريحات. فقد ساد نمط ربط التهديد الشديد بارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة أسهم الشركات الأخرى، ثم مهلة إضافية أو الحديث عن المفاوضات تبدل المعادلة في السوق. أدى تصريح ترامب في التاسع من آذار الماضي حول التقدم في الحرب بشكل أكبر من المتوقع لانخفاض سعر النفط وارتفعت أسعار أسهم الشركات الأخرى. كما أدى إعلانه في ٢٣ من الشهر نفسه لتأجيل ضرب منشآت الطاقة في إيران إلى هبوط أسعار النفط لحوالى ١٥ في المائة. إلا أن ما يثير الشك أن هناك جهات غير معروفة باعت عقود نفط كبيرة، قبل دقائق من إعلان ترامب تأجيل الضربة، الذي أدى لانخفاض فوري لأسعار النفط. وفي السابع من نيسان، وقبل إعلان ترامب عن هدنة لمدة أسبوعين بساعات قليلة، تم بيع عقود نفط بنفس الطريقة السابقة، وبقيمة مضاعفة تقريباً، وبعد إعلانه هبطت أسعار النفط بحوالى ١٥ في المائة. هذه مجرد أمثلة دفعت الخبراء للمطالبة بالتدقيق في احتمال تسريب معلومات رسمية. ويحظر على موظفي السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة في ظل قانون تضارب المصالح الانخراط في معاملات حكومية تؤثر على مصالحهم الخاصة، وإن استثنى من ذلك الرئيس ونائبه. كما تحظر قوانين الأوراق المالية التداول أثناء حيازة معلومات جوهرية سرية.


أفشلت الولايات المتحدة الاتفاق مع إيران، وأحبطت كل الجهود التفاوضية والدبلوماسية معها في ظل سياسات متناقضة أرستها طوال فترة الحرب. لقد نص اتفاق وقف إطلاق النار الإطاري في مطلعه على وقف إطلاق النار في الجبهات المشتعلة بما فيها لبنان. ورغم أن إسرائيل لم تكن طرفاً في الاتفاق، إلا أن إدراج لبنان في أول بنود الاتفاق، وعلاقة التحالف والصداقة الإستراتيجية بين البلدين، والشراكة بينهما في شن الحرب على إيران، يفهم منه تلقائياً إقرارها بما اتفق عليه حليفها. كما يعد رفض الولايات المتحدة الإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة، واشتراط صرفها في مجالات معينة يتعارض مع بنود الاتفاق التي أكدت على بدء الإفراج الفوري عن تلك الأموال، ولم تحدد مجالات صرفها. كما يعد التبدل الذي طرأ على مسار السفن في مضيق هرمز بإيعاز من الولايات المتحدة خرقاً إضافياً لهذا الاتفاق من قبل الولايات المتحدة، وأنتج ذلك اختلالاً في العلاقة العُمانية الإيرانية.


لطالما فشلت مساعي الولايات المتحدة بإبعاد سلطنة عُمان عن إيران، فوصفت العلاقات الإيرانية العمانية بالودية، وشكلت السلطنة حجر زاوية مهماً في الوساطة بين إيران ودول الخليج. في الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار نجحت الولايات المتحدة عبر اتفاق وقف إطلاق النار في وضع البلدين الشريكَين في موقف تصادمي بمضيق هرمز، بعد تفعيل مسقط الخط الجنوبي للمضيق وفق الرغبة الأميركية، دون اتفاق مع إيران. وجاء الاتفاق وفق واقع ثبتته الحرب، يقوم على تشغيل الخط الشمالي الذي يمر بالقرب من إيران، ولم ينص الاتفاق على غير ذلك. كما نص الاتفاق على أن إدارة المضيق تكون بالتعاون بين عُمان وإيران، ولم تذكر واشنطن في ذلك السياق.


من الصعب تجاهل التحولات الخطيرة في العلاقات الإقليمية وحتى الداخلية لدول المنطقة التي جاءت كنتيجة لحرب ترامب ونتنياهو على إيران، على غير مصالح وتطلعات دول المنطقة المعلنة. بعد عقود على المساعي الدبلوماسية والسياسية لرأب الصدع بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، والتي تكللت في السنوات الأخيرة بالنجاح، عادت التوترات بين الجارات وبشكل أكثر تعقيداً. استهدفت إيران عسكرياً دول الجوار الخليجي خلال هذه الحرب، في تصعيد غير مسبوق، بحجة استهداف القواعد العسكرية الأميركية التي تشن عدواناً عليها. ما خلق اختلالاً جوهرياً في موازين تلك العلاقات التي ترسخت طويلاً.


لم تسلم العلاقات العراقية - الكويتية الحذرة من التدهور بسبب حرب ترامب ونتنياهو على إيران. بقيت الخلافات الحدودية المائية بين البلدين في إطار سياسي قانوني لم يخرج عن حدود الأمم المتحدة. إلا أن الحرب أرست تحركات عسكرية قادمة من العراق للكويت، بحجة ضرب إيران للتواجد الأميركي في الكويت، في تطاول غير مسبوق منذ الحرب العراقية على الكويت، وخلط للأوراق لغير صالح الإقليم.


لم تسلم لبنان وسورية من تبعات سياسة ترامب، فقد اشترط على لبنان نزع سلاح «حزب الله»، رغم أنه لم يكن طرحاً جديداً داخل الدولة اللبنانية، إلا أنه ربط ذلك بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ما أثار الكثير من الجدل والخلافات الداخلية في لبنان. كما اعتبر ترامب أن سورية يمكنها محاربة «حزب الله» بدلاً من إسرائيل، في طروحات كارثية تضر بأمن الإقليم ومستقبله.


ليس من الصعب على الدول معرفة مصالحها، فإن تتبعت إعلامها فقط تستشف أهدافها ومصالحها. ينقل إعلام دول الخليج أخبار الحرب على إيران من منطلق خطورتها على اقتصادها ومواردها. ويركز الإعلام الإيراني على عدم النية بالاستسلام، رغم عدم الرغبة في استمرار الحرب. ويتبنى الإعلام الإسرائيلي مقاربة استمرار تواجد الخطر الإيراني، وعدم القبول بالهدنة والاتفاقيات والمفاوضات. ويهتم الإعلام الأميركي بقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام الإقليمي وتحقيق مصالح الولايات المتحدة بأقل كلفة. ويتابع الإعلام الأوروبي الحرب من خلال عدسة الاستقرار الدولي، وتطور النظام المتعدد الأقطاب. وليس من مصلحة الدول العربية أن تبقى أسيرة لأجندات ومصالح دول أخرى، حتى وإن كان من بينها الولايات المتحدة.

د. سنية الحسيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال