20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الكذاب الآشر.. من يرث نفوذ ترامب؟!.

على الرغم من تكهنات وسائل الإعلام بوجود صراع بينهما على معركة خلافة ترامب في انتخابات 2028، إلا أن روبيو قطع الطريق على هذه التقارير، مؤكداً دعمه الكامل لفانس إذا قرر الأخير الترشح للرئاسة، غير أن السياسة،

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٣١ مايو ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
32 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: الكذاب الآشر.. من يرث نفوذ ترامب؟!

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: الكذاب الآشر.. من يرث نفوذ ترامب؟!

على الرغم من تكهنات وسائل الإعلام بوجود صراع بينهما على معركة خلافة ترامب في انتخابات 2028، إلا أن روبيو قطع الطريق على هذه التقارير، مؤكداً دعمه الكامل لفانس إذا قرر الأخير الترشح للرئاسة، غير أن السياسة، بخلاف البيانات الرسمية، لا تعمل وفق قواعد الصداقة الشخصية، بل وفق موازين القوة والطموحات والمصالح المتغيرة. ومن الصعب تصور أن شخصيتين تحملان هذا القدر من الطموح والاختلافات الفكرية السابقة يمكن أن تظلا في حالة انسجام دائم داخل مركز القرار الأمريكي.


ووفق التحليل خاصة فيما يتعلق بالهفوات الدبلوماسية والتراجع عن المواقف السابقة، كرئيسيهما الشعبوى، وهل تعلما منه أم لا؟، حيث نفى الرجلان وجود أي خلافات بينهما مؤكدين تكاملهما داخل الإدارة، وذلك كلام لا يُعقل عملياً. لأن الثابت من المفارقات أنهما يُقدَّمان اليوم بوصفهما من أكثر أركان الإدارة انسجاماً وتماسكاً، هما نفسيهما اللذان يقدمان مادة خصبة لدراسة التناقضات السياسية في واشنطن. 

فضيحة رجلين: لقد بنى فانس جزءاً من شهرته السياسية على مهاجمة دونالد ترامب ووصفه سابقاً بأوصاف قاسية، انتهى به المطاف نائباً للرئيس وأحد أكثر المدافعين عنه حماسة، لذا اختاره في محادثات باكستان ليُعلمه الفشل. أما روبيو، الذي كان يمثل لعقود أحد أبرز أصوات المؤسسة الجمهورية التقليدية والسياسة الخارجية الصقورية، فقد وجد نفسه يتبنى خطاب "أمريكا أولاً" بحماسة لا تقل عن حماسة أنصار ترامب القدامى، لذا اختاره ليكون موفداً للهند التي لم يقابلهُ أي مسئول فيها عند مغادرته البلاد ليشهد فشلاً أخر، مُكررين فشله -ترمب- في زيارة الصين الأخيرة.


يقول فريدريك نيتشه: "إنَّ القوةَ التي لا يحكمها العقل، تنهارُ تحت ثقلِ غطرستِها الخاصة؛ فالإمبراطورياتُ لا تسقطُ بضرباتِ الأعداء بقدرِ ما تسقطُ من تآكلِ الحكمة في مراكزِ قرارِها"، ففي كل ليلةٍ يُريدها البيت الأبيض أن تكون "تاريخية"، يقف دونالد ترامب يلهث بخاطب عالماً يغلي فوق صفيحٍ ساخن، لكنه لم يقدم في كل منها استراتيجيةً عسكرية بقدر ما قدم "عرضاً مسرحياً" في فن التضليل السياسي، وإخفاء الحقيقة برداء من الكلمات المنمقة، لكن حينما يرتدي الجلاد قناع الضحية، تسقط هيبة القوانين وتستيقظ وحشية الغابة، وتجسيداً صارخاً لـ "همجية التفكير الأمريكي" الذي بات مُرتهناً لعلاقةٍ سامة، تتداخل فيها المصالح الصهيونية مع الأجندات الماسونية العابرة للقارات، لتخلق واقعاً جيوسياسياً مشوهاً لا يخدم إلا تجار الحروب وسماسرة الموت.


وهُنا السؤال: من يرث نفوذ ترامب... فانس أم روبيو؟. لعل الفشل الأمريكي في المدينة المحرمة الصينية، وانهيار محادثات إسلام آباد يلقي بظلاله على حظوظ فانس الرئاسية، حينها كان خصمه المحتمل للرئاسة ماركو روبيو يشاهد مع ترمب نزالاً قتالياً في ميامي، فغالباً ما يبقى نواب الرئيس في الولايات المتحدة بعيدين من الضوء أو قد يُزج بهم في مهمات مستحيلة ومكلفة سياسياً، من هُنا فإن المتأمل في مفردات ترامب يدرك حجم "الضبابية المتعمدة"؛ فبينما يدعي تدمير القدرات النووية والصاروخية لطهران، يخاطب جمهوراً أمريكياً غارقاً في مخاوف التضخم، وعالماً يراقب بذهول بوارج الموت وهي تتحرك بتوجيهات لا تحكمها المصالح القومية الأمريكية فحسب، بل تحركها خيوط "العلاقة السامة" مع تل أبيب، بوعود "إنهاء الحروب الغبية"، وأسيراً لآلة حربية صُممت في غرف مغلقة لا ترى في الشرق الأوسط إلا خزان طاقة يجب السيطرة عليه أو إحراقه، فكيف لعمليةٍ عسكرية أن توصف بـ "المكتملة" بينما شريان الطاقة العالمي لا يزال تحت رحمة "أسطول الظل" الإيراني؟، لقد عبّر الشعبوى ترمب عن صعوبة المهمة الملقاة على كاهل نائبه عندما قال مازحاً بأنه إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق "فسأحمّل جي دي فانس المسؤولية"، أما إذا نجحت "فسآخذ أنا الفضل كاملاً"، وبالتالي فإن هذا التناقض ليس سقطةً لسانية، بل هو انعكاسٌ لـ "عقيدة الصدمة"، والتي تسعى لتأزيم وضع دول الخليج العربي وإبقائها في حالة استنزافٍ مالي وأمني مستمر، لضمان تدفق صفقات السلاح المليارية تحت ذريعة "الحماية الزائفة".

التناقض الشعبوى: حتى الشعبوية فشلا في نظريتها، فكما أوقعته -فانس- تصريحاته السابقة تجاه الحلفاء الأوروبيين في مواقف دفاعية محرجة، ومعارضته القديمة للتدخلات الخارجية واستخدام سلطته بإدارة لا تتردد في استخدام البطش الأعمى، كان -روبيو- في قلب واحدة من أكثر الإحراجات السياسية والإعلامية إثارة للجدل عندما أقر بوقوع "خطأ كبير" إثر تسريب معلومات حساسة بسبب إضافة صحفي إلى مجموعة مغلقة على تطبيق سيغنال وقد عرف ما كانوا يناقشونه منملفات أمنية وعسكرية بالغة الحساسية. وإلى جانب ذلك، تعرض لانتقادات متزايدة بسبب تخليه التدريجي عن كثير من مواقفه السابقة تجاه روسيا والسياسة الدولية، في انسجام كامل مع توجهات ترامب الجديدة.


وهُنا نرى ترمب بين اختلاف على الشخصيات ورؤيتين متنافستين لمستقبل الحركة المحافظة، وحتى الآن يبدو ترمب محايداً، بين اسم روبيو الذي قال: "أنه سيُخلد كأعظم وزير خارجية في التاريخ"، ليُناقضهُ قولاً بإشادة فانس قائلاً خلال مايو الحالي: "إنه يقوم بعمل رائع". ولعل تسويق "وهم الانتصار"، بأن الآلة العسكرية الأمريكية "شلت" القدرات الإيرانية. جعلت منه "الكذاب الأشر"، فالتدقيق في ثنايا الكلمات يكشف عن "همجية تفكير" غير مسبوقة؛ فبينما يُهدد بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، وهي مُفارقة تعكس عمق الأزمة؛ فواشنطن تريد "نصراً سريعاً" دون دفع ثمن الاستقرار، وتطالب القوى العالمية الأخرى بتحمل كلفة تأمين الملاحة، وكأن أمريكا تحولت من "شرطي العالم" إلى "مرتزق سياسي" يفتعل الحريق ثم يطالب الجيران بدفع ثمن الإطفاء، التي تجاوز الإنفاق العسكري الأمريكي فيه حاجز الـ 1.2 تريليون دولار، وهي كلفةٌ لا يدفعها دافع الضرائب الأمريكي فحسب، بل تدفعها شعوب المنطقة من أمنها واستقرارها، والتي قللت من شعبية ترامب (36%)، محاولاً الهروب من "ربيعٍ أمريكي" داخلي مُحتمل عبر إشعال حرائق إقليمية. 

موازنة الهلاك الأمريكي: لقد تجاوزت موازنة الدفاع الوطنية الأمريكية  (FY2026)والتي قُدرت بنحو 925 مليار دولار تشمل ميزانية وزارة الدفاع وبرامج الطاقة النووية، وهى الأولى في تاريخها مع دخول السنة المالية2026 ، استجابة لثلاثة محاور رئيسة ومُلحة: (التضخم المستمر، سباق التسلح التكنولوجي مع الصين، والحاجة لإعادة ملء المخازن الاستراتيجية التي استنزفتها الصراعات الإقليمية)، حيثُ استقر متوسط النمو السنوي عند حوالي 3  إلى 4%، وهو نمو "واقعي" يهدف بالكاد لتجاوز معدلات التضخم وضمان القوة الشرائية العسكرية.
ومن توزيع الموازنة حسب القطاعات يعكس بوضوح أولوية "منطقة المحيطين الهندي والهادئ". 
1.القوات الجوية استأثرت بحصة الأسد بنحو 225 مليار دولار، مع التركيز على مقاتلات الجيل السادس وطائرات "الكي لويالتي" المسيرة.
2.البحرية ومشاة البحرية حصلت على حوالي 215 مليار دولار لدعم استراتيجية "البحرية الموزعة" وبناء الغواصات من فئة "كولومبيا".
3.الجيش استقر عند 190 مليار دولار، مع توجيه معظم الزيادات نحو الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي المتنقلة.
4.قوة الفضاء رغم صغر حجمها، إلا أنها سجلت أعلى "نسبة نمو" بمخصصات بلغت 35 مليار دولار لتأمين شبكات الأقمار الصناعية ضد التهديدات السيبرانية والفيزيائية.
محركات استراتيجية: تتحرك الميزانية الأمريكية وفق ثلاث محركات استراتيجية:
1.مبادرة الردع في المحيط الهادئ تم تخصيص مبالغ قياسية لتعزيز القواعد العسكرية في غوام والفلبين، مما جعل "ردع الصين" هو المحرك الأول للإنفاق.
2.ثورة الذكاء الاصطناعي انتقل البنتاغون من مرحلة "التجريب" إلى "التبني الشامل" للذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك، بمخصصات بحثية تجاوزت 150 مليار دولار للبحث والتطوير.
3.ترميم القاعدة الصناعية: أثبتت السنوات الماضية ضعف سلاسل التوريد العسكرية، لذا تم تخصيص مبالغ ضخمة لتحفيز المصانع الخاصة على زيادة إنتاج القذائف والصواريخ التقليدية.
وبمقارنة المخصصات الدفاعية (2022 - 2026)نري قصة خمس سنوات من تصاعد الإنفاق الدفاعي من $778 مليار في 2022 إلى $925 مليار في 2026 بنسبة تغير أكثر من %3.3  مع تحول واضح من استعادة الجاهزية بعد الجائحة إلى استثمار في التكنولوجيا المتقدمة والقدرات النووية والذكاء الاصطناعي

مستقبل ما بعد 2026: إنها ميزانية ليست مجرد أرقام، بل هي إعلان صريح بأن التفوق العسكري القادم لن يُقاس بعدد الدبابات، بل بمدى سرعة معالجة البيانات في ساحة المعركة، ونتوقع التوجهات التالية:
1.نادي التريليون دولار: من المرجح جداً أن تقترب الميزانية من حاجز 1 تريليون دولار بحلول عام 2028-2029، مدفوعة بتكاليف صيانة الأنظمة المتقدمة وتوسع قوة الفضاء.
2.الانتقال من "الكتل" إلى "البرمجيات" سيقل الإنفاق تدريجياً على المنصات الضخمة (حاملات طائرات إضافية) لصالح أنظمة "الأسراب" المسيرة والأسلحة السيبرانية الهجومية.
3.معضلة الديون: "الضغط السياسي المتزايد لخفض العجز الفيدرالي قد يجبر البنتاغون على إجراء "مقايضات مؤلمة"، مثل تقاعد السفن القديمة وتصغير حجم القوات البرية لصالح التكنولوجيا.
وقفة: إن اضطرابات الداخل الأمريكي، لفشل المفاوضات وسخط الشارع من الغلاء وتدهور الخدمات، يدفعه لتقديم "قربانٍ حربي" لإسرائيل، المنخرطة في علاقةٍ عضوية مع إدارته، محققةً بذلك حلم "الفوضى الخلاقة" التي تفتت القوى الإقليمية لصالح الكيان الصهيوني، بينما الواقع يشير إلى "عجز القوة"؛ فقمة هرمز الافتراضية، وموقف الرئيس الفرنسي ماكرون الرافض للحلول العسكرية، كشفت عن تصدعٍ في بنية التحالفات الغربية، فالمهمة لم تكتمل، بل هي بداية لمستنقعٍ استراتيجي سيغير وجه النظام العالمي.
"ويلٌ لأمةٍ تظنُّ أنَّ أمنَها يُصنعُ في عواصمِ الغرب، بينما جمرةُ الحريقِ تُوقدُ تحت أقدامِها بأيدٍ تعبثُ بمصائرِ الشعوب خلف كواليسِ المحافل المظلمة". @drIbrahimgalal

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال