لم يكن المشروع الصهيوني يوماً قائماً على قوته الذاتية بقدر ما ارتكز على شبكة واسعة من الحلفاء والداعمين داخل مراكز القرار الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعاقبت شخصيات سياسية جعلت من الدفاع عن الاحتلال عقيدة سياسية ومن التحريض على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة نهجاً ثابتاً في خطابها ومواقفها.
وفي مقدمة هؤلاء برز السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الذي لم يكن مجرد مسؤول أمريكي مؤيد لإسرائيل بل كان أحد أهم أعمدة المشروع الصهيوني داخل الولايات المتحدة وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تثبيت الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال، فقد كرّس مسيرته السياسية للدفاع عن العدوان الإسرائيلي ورفض أي تسوية تمس مصالح الاحتلال والدعوة إلى استخدام أقصى درجات القوة العسكرية ضد غزة ولبنان وتأييد التصعيد ضد إيران واليمن ومحور المقاومة حتى بات يمثل رأس حربة في تمرير السياسات التي تخدم المشروع الصهيوني في المنطقة.
لقد عُرف غراهام بمواقفه المتشددة التي تجاوزت حدود الدعم السياسي إلى التحريض العلني على مواصلة الحرب وتبرير المجازر والدعوة إلى تزويد الاحتلال بكل ما يحتاجه من أسلحة وإمكانات لإنهاء معاركه "بأي ثمن" بل وذهب في بعض تصريحاته إلى تبرير استخدام وسائل تدمير غير مسبوقة وربط مستقبل المنطقة بفرض التطبيع ودمج إسرائيل أمنياً مع الدول العربية ورفض أي ترتيبات إقليمية لا تحقق التفوق الإسرائيلي المطلق.
ولم يكن ليندسي غراهام مجرد حليف عابر للكيان الصهيوني، بل كان أحد أبرز أركانه السياسية داخل واشنطن، وهو ما ظهر بوضوح في كلمات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي نعاه باعتباره أحد أعظم أصدقاء إسرائيل وأكثرهم إخلاصاً لها. ويكشف هذا النعي حجم الخسارة التي مُني بها المشروع الصهيوني بفقدان أحد أبرز المدافعين عنه داخل الكونجرس الأمريكي، في مرحلة يواجه فيها نتنياهو ضغوطاً داخلية غير مسبوقة وعزلة دولية متنامية وتراجعاً في صورته أمام الرأي العام العالمي.
صحيح أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يقوم على مؤسسات تتجاوز الأشخاص، إلا أن غياب شخصيات تمتلك نفوذ ليندسي غراهام وعلاقاته وقدرته على حشد التأييد داخل الحزب الجمهوري، يشكل ضربة سياسية ومعنوية للمشروع الصهيوني ويترك فراغاً يصعب تعويضه في هذه المرحلة الدقيقة.
إن سقوط أحد أبرز وجوه هذا التيار يبعث برسالة واضحة بأن مشاريع الظلم والاستكبار مهما بلغت قوتها ليست بمنأى عن سنن الله في التاريخ فكم من طغاة ظنوا أن سلطانهم باقٍ فإذا بهم يصبحون عبرة لمن يعتبر ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.
وفي الوقت الذي يودّع فيه الكيان أحد أبرز داعميه، تعيش المنطقة على وقع تحذيرات متصاعدة ومخاوف من سيناريوهات قد تدفع نحو توسيع دائرة الحرب، في ظل ما يُتداول عن تهديدات تستهدف شخصيات أمريكية بارزة، وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب. وتبقى مثل هذه السيناريوهات في إطار التحليلات والتقديرات السياسية، ما لم تستند إلى أدلة قاطعة. مع الإشارة إلى أنه تبنى اغتيال كل من الشهيدين قاسم سليماني والمهندس في العراق، وكذلك اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية الشهيد علي الخامنئي. إلا أن المؤكد هو أن أي حدث كبير من هذا النوع قد يُستغل لإعادة إشعال المنطقة وجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع تخدم أجندة الاحتلال الإسرائيلي.
لقد دفع الشعب الفلسطيني ومعه شعوب المنطقة أثماناً باهظة نتيجة سياسات التحريض والحروب التي قادها أمثال غراهام وكانت حصيلتها آلاف الشهداء والجرحى ودماراً واسعاً وتعميقاً لحالة عدم الاستقرار خدمةً لمشروع الاحتلال.
ويبقى الدرس الأهم أن التاريخ لا يخلّد الطغاة وإنما يخلّد مواقف الشعوب التي قاومت الظلم وأن سنن الله ماضية في تداول الأيام بين الناس وأن كل مشروع يقوم على العدوان والقتل والاحتلال مهما امتلك من قوة ونفوذ فإن مآله إلى الزوال ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾. وإن ما يجري اليوم يؤكد أن التحولات الكبرى قد تبدأ بسقوط رجل لكنها قد تنتهي بسقوط مشروع بأكمله عندما يفقد أهم ركائزه وأشد المدافعين عنه.






