5 يونيو 2026|القاهرة 28 °

ترامب ونتنياهو: قصة حب انتهت بشتمة... ولم تنتهِ بعد!

لو افترضنا وجود نادٍ عالمي لعشاق أنفسهم، فمن المرجح أن ترامب ونتنياهو لن يكونا مجرد عضوين فيه، بل سيتقاتلان على رئاسة النادي قبل افتتاحه.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 22 ساعة
8 دقائق قراءة
21 مشاهدة
نتنياهو وترامب

نتنياهو وترامب

"عندما يتعانق أصحاب المرايا، ترى أن أقصى درجات الغطرسة السياسية هي أن تعتقد أنك تستطيع خداع شخص يرى في مرآتك صورته الشخصية، لكن يبدو أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قررا تطوير النظرية قليلاً بدلاً أن تكون "في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة"، تصبح: "لا توجد مصالح دائمة أيضاً، إذا شعر أحد النرجسيين أن الآخر سرق منه الكاميرا". 

فلم يكن الاتصال الهاتفي الذي سجله الكاتب الصحفي باراك رافيد ليرصد رد فعل ترامب بعد تهنئة نتنياهو لجو بايدن بفوزه بانتخابات 2020، مجرد زلة لسان عابرة عندما أطلق عبارته الشهيرة المدوية بالإنجليزية الفصحى المتهكمة: "F… him"، ليكون ذلك إعلانًا سريريًا عن انفجار فقاعة أيديولوجية هشة. فتحول "الصداقة الأيديولوجية الكبرى" بين ساكن البيت الأبيض المثير للجدل وزعيم الليكود الأبدي إلى "حقل ألغام شخصي" يكشف حقيقة ساطعة في مسرح السياسة النرجسية، تبدأ الصداقات كشهر عسل وتنتهي علاقاتها السامة في غرف الرعاية النفسية المركزة، فكلاهما يُعانيان من تضخم مفرط في الأنا، حيث يصبح الآخر مجرد أداة وظيفية؛ فإذا ما انتهت وظيفتها، تحولت كلمات الغزل إلى شتائم موثقة، والتحالف الاستراتيجي إلى ساحة تصفية حسابات علنية تصيب البيئة السياسية المحيطة بالدوار.. وفي تلك اللحظة فقط اكتشف العالم حقيقة قديمة جداً: "النرجسي لا يغفر الخيانة"، وما يعتبره الناس إجراءً دبلوماسياً عادياً، يعتبره النرجسي طعنة في القلب، ومؤامرة كونية، وخيانة عظمى تستحق الإدراج في كتب التاريخ المدرسية.

نادٍ خاص لعشاق الذات

 لو افترضنا وجود نادٍ عالمي لعشاق أنفسهم، فمن المرجح أن ترامب ونتنياهو لن يكونا مجرد عضوين فيه، بل سيتقاتلان على رئاسة النادي قبل افتتاحه. 

فكلا الرجلين بنى مشروعه السياسي على فكرة واحدة: "أنا الدولة"، بالمعنى النفسي "أنا الذي بدوني تنهار المؤسسات وتضيع الأمة وتعم الفوضى"، لذا ظل كل منهما مفتوناً بالآخر، حيثُ يتفق علماء النفس والاجتماع السياسي على تصنيفهما ضمن خانة "النرجسية الخبيثة " (Malignant Narcissism)، وهي حالة متطورة تجمع بين النرجسية، والسلوك السيكوباتي، والنزعة العدائية. فالدوافع النفسية العميقة التي أبقت على هذا الرابط المتين لسنوات لم تكن تنبع من تقارب مبدئي، بل من كون كل منهما يرى في الآخر "امتداداً ومرآة لغطرسته الشخصية". 

تتبدى هذه الديناميكية بوضوح عند إسقاطها على نموذج "المرأة اللعوب السياسية" (Femme Fatale)؛ تلك الشخصية الساحرة والمخربة في آن واحد، التي تجذب حلفاءها بوعود النشوة الذاتية والاستقواء، لتدمرهم لاحقاً في سبيل بقائها الشخصي. لقد امتص نتنياهو كل ما يمكن استخلاصه من وهج إدارة ترامب الأولى، ليفاجأ الأخير بأن شريكه ليس مستعداً للتضحية بكرسي رئيس الوزراء في تل أبيب مجاملةً لـ "صديقه" المهزوم في واشنطن.

رقصة الإعجاب المرير في العلاقات السامة

 إن العلاقات السامة لا تقوم على الكراهية، فلو كانت كذلك لانتهت بسرعة، فهي تقوم على شيء أخطر: (الإعجاب الممزوج بالخوف، والاحتياج الممزوج بالاحتقار)، وهذا تحديداً ما حكم العلاقة بينهما. فكان كل واحد منهما يحتاج الآخر، لكنه في الوقت نفسه لا يثق به. أو كل منهما يريد الاستفادة من الآخر، لكنه يخشى أن يُستغل. كل واحد منهما يمدح الآخر أمام الصحفيين، ثم يلعنه أمام المقربين.

إنها النسخة السياسية من الأزواج الذين ينشرون صور السعادة على مواقع التواصل الاجتماعي صباحاً، ثم يقضون المساء في تبادل الاتهامات داخل المنزل، وهنا المنزل يمتد من واشنطن إلى القدس مروراً بالشرق الأوسط كله.. وهنا نجد لغة التواصل بين الطرفين تخضع لمعادلة شديدة الاضطراب تسمى سريرياً "علاقة الإعجاب المختلط بالكراهية والتوجس" (Love-Hate Relationship). في الغرف المغلقة، فكلاً منهما يعي تماماً الأدوات البراغماتية التي يمتلكها الآخر، مما يولد نمطاً سلوكياً يعتمد على المُداهنة العلنية والتوجس الحبورى الخفي. 

فوفق الإحصاءات السلوكية لعام 2026 أن الخلافات العاصفة خلف الكواليس تتصاعد بسرعة عند تعارض المصالح الشخصية الضيقة، لتُحل لاحقاً بـ "مسكنات مؤقتة" تخرج إلى العلن في صورة مؤتمرات صحفية استعراضية، تهدف إلى إبهار الرأي العام وإخفاء الشقوق العميقة في جدار الثقة.

المعشوقة الكبرى

في الروايات الكلاسيكية كانت هناك شخصية المرأة الفاتنة التي تدمر الرجال واحداً تلو الآخر، أما في السياسة الحديثة فإن هذا الدور تؤديه السلطة، هي المعشوقة الكبرى وفي نفس الوقت هي الخصم الأكبر، والإدمان الذي لا يوجد له علاج معروف، فترامب لا يريد السلطة لأنها تمنحه النفوذ فقط، بل لأنها تمنحه الاعتراف. 

كذا ونتنياهو لا يتمسك بها لأنها توفر له موقعاً سياسياً فحسب، بل لأنها تمنحه شعوراً بأنه لا يزال سيد المشهد، ولهذا تبدو معارك البقاء بالنسبة لهما معارك وجودية (صراعاً بين الأنا والسقوط)، بين الصورة والمرآة، بين الخلود السياسي وشبح التقاعد، ليقع تصنيفها تحت مفهوم "العلاقة السامة" (Toxic Relationship)؛ حيث تتجاوز تأثيراتها تدمير الأفراد لتفرض مناخاً من الاضطراب والارتباك الممنهج على الدوائر السياسية الملاصقة لهما. يصبح المستشارون وفرق العمل ضحايا لتقلبات مزاجية حادة، تُبنى فيها قرارات دولية مصيرية بناءً على عتبة الرضا أو الغضب الشخصي المتبادل بين الزعيمين، وانقلاب مجتمعيهما بسبب أنانيتيهما.

متلازمة "الاعتمادية المتبادلة"

في لغة علم النفس السريري، توصف هذه الرابطة بـ "الاعتمادية المُتبادلة الممرضة" (Codependency) المصحوبة بـ "العدائية المقنعة" (Passive-Aggressive) لطالما احتاج ترامب إلى نتنياهو لتأمين ولاء الكتل الإنجيلية والمحافظة في الولايات المتحدة، بينما كان نتنياهو يعتمد كلياً على الغطاء الدبلوماسي والاندفاعي لترامب لتمرير أجنداته الإقليمية. 

ويربط علماء النفس بين هذه السلوكيات والكم الهائل من الأكاذيب الرقمية والخطابات المضللة المسجلة للشخصيتين كدليل كلينيكي على "الانفصال عن الواقع واختلاق حقيقة بديلة". فهذا الحجم من التزييف الممنهج يعكس سيكولوجية مشتركة ترى في "الحقيقة" مجرد عجينة مرنة يمكن تشكيلها لخدمة نرجسية الذات، مما أدى في النهاية إلى تآكل الثقة المؤسسية داخلياً وخارجياً.

المؤشر السيكو-سياسي

دونالد ترمب  -مؤشرات واشنطن بوست Fact-Check

بنيامين نتنياهو (مؤشرات معاهد التحقق الإقليمية)

معدل الادعاءات المضللة/الأكاذيب

تجاوزت 30,500 ادعاء كاذب خلال فترته الرئاسية الأولى.

أعلى نسبة وعود سياسية وأمنية غير منفذة بلغت 64  % بحلول عام 2026.

التشخيص السريري السلوكي

نرجسية استعراضية، اندفاعية فجة، وبارانويا المؤامرة.

نرجسية نخبوية، عدائية مقنعة، وهوس البقاء القضائي.

الآلية الدفاعية النفسية

الهجوم الاستباقي وشيطنة المؤسسات (Deep State).

الابتزاز العاطفي القائم على "التهديد الوجودي المستمر".

 الشرق الأوسط كمسرح للجريمة النفسية

لم تكن تداعيات هذه العلاقة المريضة محصورة في الجدران البيضاء أو المقار الحكومية، بل امتدت لتجعل من منطقة الشرق الأوسط مسرحاً مفتوحاً لتطبيقات الجريمة السيكولوجية والسياسية. 

فقرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة الجولان، وتوقيع الاتفاقيات الإبراهيمية، لم تكن نتاج دراسات استراتيجية عميقة لمؤسسات الأمن القومي، بل أملتها طموحات شخصية عاجلة ورغبة عارمة في تحقيق "انتصارات نفسية خاطفة" تغذي الأنا المتضخمة لكلا الطرفين وتدعم موقفهما الانتخابي والقضائي. ويصبح ملايين البشر مجرد جمهور يشاهد عرضاً ضخماً لا يملك حق تغيير نصه. 

لذا فإن التبعات الكارثية لهذه القرارات الاندفاعية، والمستمرة آثارها حتى عام 2026، قد رسخت لنموذج "الترضيات النفسية الشاذة" في العلاقات الدولية. والسؤال الذي حيّر كثيرين ليس سبب الخلافات. فالخلافات واضحة، والسؤال الحقيقي هو: لماذا يعودان دائماً إلى بعضهما؟. الجواب بسيط.. لأن كلاً منهما يحتاج الآخر بوصفه شاهداً على عظمته. والنرجسي يحتاج جمهوراً، لكن الجمهور وحده لا يكفي. إنه يحتاج أيضاً إلى نرجسي آخر يعترف له بالعظمة، حتى لو كان يحتقره في السر، ولهذا تستمر العلاقة.

وقفة

تبقى النكتة السياسية الأكثر مرارة هي أن الجماهير التي صفقت طويلاً لهذا "التحالف التاريخي" استيقظت لتكتشف أن البطلين المستعدين للتضحية بكل شيء من أجل مجدهما الشخصي، لم يكونا مستعدين لمنح بعضهما البعض مجرد برقية تهنئة مجانية، ففي السياسة، عندما يتعانق النرجسيون، لا تنظر إلى الابتسامات. انظر إلى الأيدي. 

ففي الغالب يكون أحدهم يربت على كتف الآخر، بينما يتأكد في الوقت نفسه أن محفظته ما زالت في مكانها، ومعناها في السياسة البراغماتية الفجة، عندما يتعانق النرجسيون بحرارة أمام كاميرات الإعلام، فاعلم يقيناً أن أحدهما يفتش في جيب الآخر، وأن كلاهما يبتسم فقط ليخفي خنجراً وراء ظهره. لكن المأساة الحقيقية، فليست في مصير العلاقة بين الرجلين، بل في أن مناطق كاملة من العالم ما زالت تدفع ثمن تقلباتها النفسية والسياسية حتى اليوم، فحين تتحول الجغرافيا إلى مسرح للأنا، تصبح الأزمات أكثر من مجرد أخطاء سياسية، وتصبح أعراضاً جانبية لشخصيات لا تستطيع العيش طويلاً خارج دائرة الضوء.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير