تكشف القراءة المتأنية للمقالات والتحليلات الصادرة عن أبرز الكتاب والمعلقين الإسرائيليين عقب الإعلان عن التفاهمات الأمريكية – الإيرانية الجديدة عن حالة من القلق العميق داخل المؤسسة السياسية والأمنية والفكرية في إسرائيل. فبعيداً عن الخطاب الرسمي الذي حاول التركيز على حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية خلال المواجهة الأخيرة، تنظر قطاعات واسعة من النخبة الإسرائيلية إلى الاتفاق المتبلور باعتباره مؤشراً على إخفاق سياسي واستراتيجي إسرائيلي في ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية دائمة.
وتكاد تجمع التحليلات التي نشرها رون بن يشاي في "يديعوت أحرونوت"، وآفي أشكنازي وبن كسبيت في "معاريف"، إضافة إلى التقدير الاستراتيجي الصادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، على أن إيران استطاعت، رغم الخسائر العسكرية التي تعرضت لها، أن تحافظ على مصالحها الجوهرية وأن تخرج من المواجهة وهي أكثر قدرة على المناورة السياسية مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
في جوهر الموقف الإسرائيلي يبرز شعور واضح بأن الولايات المتحدة أعادت صياغة أولوياتها في المنطقة بصورة لا تتطابق مع الأهداف التي سعت إليها إسرائيل منذ بداية المواجهة. فبينما كانت القيادة الإسرائيلية تراهن على أن تؤدي العمليات العسكرية إلى فرض معادلة جديدة تفضي إلى تفكيك المشروع النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي بصورة جذرية، بدا أن الإدارة الأمريكية كانت تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة تماماً، تتمحور حول وقف التصعيد، وتأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، ومنع حدوث اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة العالمية، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تنعكس سلباً على المصالح الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، يرى العديد من المعلقين الإسرائيليين أن إسرائيل وجدت نفسها خارج دائرة التأثير الفعلي في المفاوضات التي جرت بين واشنطن وطهران. فالتفاهمات الأساسية لم تُصغ وفقاً للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، بل وفقاً لحسابات أمريكية داخلية وخارجية تتعلق بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة. ويشير هذا التقييم إلى أن الحرب كشفت حدود النفوذ الإسرائيلي على عملية صنع القرار الأمريكي عندما تتعارض الرؤية الإسرائيلية مع الأولويات المباشرة للبيت الأبيض.
وتتزايد حدة الانتقادات الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بالمكاسب التي حققتها إيران من خلال الاتفاق. فبحسب ما يورده عدد من المحللين الإسرائيليين، فإن المشروع النووي الإيراني لم يتم تفكيكه، ولم تُحسم قضية مخزون اليورانيوم المخصب، كما أن ملف الصواريخ الباليستية لم يخضع لإجراءات تقييد حقيقية. وإضافة إلى ذلك، فإن الإفراج التدريجي عن الأموال الإيرانية المجمدة واستئناف صادرات النفط يوفّران للنظام الإيراني مصادر تمويل جديدة تتيح له إعادة ترميم ما تضرر من قدراته العسكرية والاقتصادية خلال الحرب.
وتتجاوز المخاوف الإسرائيلية الجانب النووي لتشمل المكانة الإقليمية لإيران. فالمفارقة التي تتكرر في أكثر من تحليل إسرائيلي تتمثل في أن طهران استطاعت أن تصمد أمام الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ثم انتقلت إلى طاولة المفاوضات دون أن تقدم تنازلات جوهرية تمس مرتكزات قوتها الاستراتيجية. ولذلك ينظر العديد من الكتاب الإسرائيليين إلى الاتفاق باعتباره اعترافاً غير مباشر باستمرار الدور الإقليمي الإيراني، بل وبقدرة طهران على استخدام موقعها الجيوسياسي، وخاصة في مضيق هرمز، كورقة ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي.
وفي السياق ذاته، يبرز القلق الإسرائيلي من أن تؤدي التفاهمات الجديدة إلى إعادة تنشيط شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطة بإيران. فالتقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الموارد المالية التي قد تتدفق إلى طهران خلال المرحلة المقبلة يمكن أن تُستخدم لإعادة دعم "حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، فضلاً عن بقية مكونات ما يُعرف بمحور المقاومة. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن ذلك يعني أن الإنجازات العسكرية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة قد تواجه خطر التآكل التدريجي إذا لم تُستثمر سياسياً بصورة فعالة.
ويبدو أن أكثر ما يثير القلق داخل إسرائيل ليس فقط مضمون الاتفاق، وإنما الرسالة السياسية التي يحملها. فبعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية المكلفة، كانت التوقعات الإسرائيلية تتجه نحو فرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة، إلا أن النتائج النهائية جاءت مختلفة. فقد أظهرت الولايات المتحدة رغبة واضحة في إنهاء الحرب أكثر من رغبتها في استكمال مشروع إضعاف إيران، بينما نجحت طهران في تجنب الانهيار والحفاظ على تماسك النظام السياسي، وهو ما دفع عدداً من المعلقين الإسرائيليين إلى وصف ما حدث بأنه انتصار سياسي إيراني رغم الخسائر العسكرية.
وتكشف هذه القراءة الإسرائيلية عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة القوة في الصراعات المعاصرة. فالتفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية إذا لم يقترن باستراتيجية قادرة على استثمار النتائج الميدانية وتحويلها إلى ترتيبات سياسية دائمة. وفي الحالة الراهنة، يبدو أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية باتت أكثر اقتناعاً بأن إيران، رغم الضربات التي تلقتها، استطاعت أن تمنع خصومها من تحقيق أهدافهم القصوى، وأن تحافظ على عناصر القوة الأساسية التي تتيح لها إعادة بناء نفوذها خلال السنوات المقبلة.
وخلاصة القول إن النقاش الدائر داخل إسرائيل حول الاتفاق الأمريكي – الإيراني لا يعكس مجرد خلاف حول تفاصيل تفاوضية أو بنود فنية تتعلق بالبرنامج النووي، بل يكشف عن أزمة أعمق تتصل بقدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي مستدام. فبينما تؤكد معظم التقديرات الإسرائيلية أن إيران خرجت من المواجهة أكثر ضعفاً من الناحية العسكرية، فإنها في الوقت نفسه خرجت أكثر قدرة على الصمود السياسي وأكثر حضوراً في معادلات الإقليم، وهو ما يدفع العديد من الأصوات الإسرائيلية إلى اعتبار أن طهران ربحت السياسة فيما اكتفت إسرائيل بحصد إنجازات عسكرية لم تُترجم إلى واقع استراتيجي.










