لم يكن ما جرى اليوم في #شارع_النصر حدث عابر يمكن تجاوزه والمرور عليه باعتباره “مشكلة وانتهت”، بل هو مشهد يكشف كيف يمكن لشرارة صغيرة أن تتحول سريعاً إلى حالة فوضى، تتدرج من خلاف محدود إلى مظاهر انفلات، ثم إلى حالة خوف عام، وصولاً إلى تدخل أمني للشرطة الفلسطينية تعرّض بدوره للاستهداف، هذه السلسلة المتسارعة ليست جديدة، لكنها اليوم بدت أكثر وضوحاً وخطورة، لأنها تضعنا أمام نتيجة مباشرة لما حذّرنا منه سابقاً.
سبق ان قلت انه لم يعد السؤال فقط كيف نحمي الشرطة من الاستهداف، بل كيف نحمي المجتمع من نتائج غيابها أو إضعاف دورها. ما حدث اليوم يعيد تأكيد أن أي فراغ لو كان مؤقتاً—يُملأ بسرعة بسلوكيات متفلتة أو مجموعات تحاول فرض واقعها بالقوة. ومع كل لحظة توتر، تتآكل ثقة الناس ببعضهم، ويصبح الشارع أكثر هشاشة أمام أي تصعيد.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى عن حقيقة أن هناك من يستغل هذه الحالات. فكل حالة فوضى داخلية تفتح نافذة خطرة، ليس فقط للجريمة أو التعدي، بل أيضاً لتداعيات أكبر قد تطال الجميع دون استثناء. وهذا ما يجعل من كل سلوك فردي غير منضبط قضية عامة، ومن كل كلمة تحريض أو تهور عامل ضغط إضافي على واقع هش أصلاً.
وإذا كانت التجربة السابقة قد أثبتت أن ضرب البنية الشرطية لا يهدف فقط إلى إضعافها ميدانياً، بل إلى إحداث تفكك داخلي تدريجي، فإن ما جرى اليوم يوضح كيف تبدأ ملامح هذا التفكك: من الشارع، من الخلافات الصغيرة، من غياب الضبط، ومن تحول الأفراد إلى بدائل غير منظمة لفرض “النظام” بأساليب خطرة.
لكن في المقابل، فإن هذا الواقع لا يعني غياب الحل، بل يعيدنا إلى الفكرة الأهم التي طُرحت سابقاً: أن المعركة لم تعد فقط حول وجود الشرطة، بل حول بقاء فكرة النظام نفسها. النظام هنا ليس مجرد جهاز، بل ثقافة وسلوك ووعي جمعي. وحين يضعف هذا الوعي، تصبح أي قوة—مهما كانت—غير كافية لضبط المشهد.
ما حدث اليوم يجب أن يُقرأ كجرس إنذار حقيقي:
ليس فقط لرفض الفوضى، بل لإعادة تعريف دور كل فرد في حماية مجتمعه. فالمطلوب اليوم ليس انتظار تدخل أمني في كل تفصيلة، بل بناء حالة وعي مجتمعي ترفض الانجرار وراء الاستفزاز، وتُدرك أن أي انفلات لو بدا بسيطاً—قد يتحول إلى كارثة.
وفي بيئة معقدة كغزة، حيث تتقاطع الضغوط الأمنية والمعيشية، يصبح الحفاظ على التوازن الداخلي شكلاً متقدماً من أشكال الصمود. صمود لا يقوم فقط على مواجهة الخارج، بل على منع الداخل من الانهيار.
الخلاصة التي يفرضها مشهد اليوم، وتؤكدها التجربة السابقة، أن البديل عن النظام ليس الحرية، بل الفوضى… والفوضى لا تستثني أحداً. لذلك، فإن الوعي، والمسؤولية، وضبط السلوك العام، لم تعد خيارات أخلاقية فقط، بل ضرورة وجودية لحماية المجتمع كله.










