أثار الحديث عن اقتراح منسوب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقضي بإسناد دور لسوريا في مواجهة حزب الله داخل لبنان نقاشاً واسعاً حول مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في المشرق العربي. وبصرف النظر عن مدى جدية الطرح أو إمكانية تحوله إلى سياسة عملية، فإن أهمية الفكرة لا تكمن في تفاصيلها المباشرة بقدر ما تكمن في الدلالات التي تعكسها بشأن طبيعة التحولات الجارية في المنطقة ومحاولات إعادة رسم أدوار القوى الإقليمية بعد سنوات طويلة من الصراعات والحروب.
فالشرق الأوسط يعيش منذ أكثر من عقد مرحلة إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى. وقد أدت الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية والتغيرات التي أصابت بنية العديد من الدول إلى اهتزاز الكثير من المعادلات التي حكمت المنطقة لعقود. وفي ظل هذه التحولات، بدأت تظهر تصورات مختلفة حول شكل النظام الإقليمي الجديد والأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الدول الرئيسية فيه.
ضمن هذا السياق تبرز سوريا باعتبارها إحدى الدول التي شهدت أكبر التحولات خلال السنوات الماضية. فبعد سنوات من الحرب والصراع الداخلي، بدأت دمشق تستعيد تدريجياً جزءاً من حضورها الإقليمي والدولي، بالتوازي مع انفتاح عربي متزايد عليها ومحاولات لإعادة دمجها في محيطها الإقليمي. ومن هنا جاء التساؤل حول ما إذا كانت سوريا مرشحة للعب أدوار أمنية جديدة تتجاوز حدودها المباشرة، بما في ذلك الساحة اللبنانية.
تستند بعض السيناريوهات المطروحة إلى فرضية مفادها أن أي تراجع جوهري في نفوذ حزب الله أو أي تغيير كبير في بنيته العسكرية والسياسية قد يخلق فراغاً أمنياً في لبنان، الأمر الذي سيدفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن ترتيبات بديلة تمنع انهيار التوازنات الداخلية أو انزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى. وفي هذه الحالة تطرح بعض الأوساط فكرة الاستفادة من الروابط التاريخية والجغرافية والأمنية بين سوريا ولبنان لتكون دمشق جزءاً من منظومة الاستقرار الجديدة.
لكن الانتقال من مستوى التصورات النظرية إلى مستوى التطبيق العملي يكشف عن مجموعة كبيرة من العقبات التي تجعل هذا السيناريو شديد التعقيد.
فأول هذه العقبات يتعلق بالواقع السوري نفسه. إذ لا تزال سوريا تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وإدارية كبيرة تتطلب تركيز الموارد والجهود داخل حدودها الوطنية. كما أن إعادة بناء مؤسسات الدولة وترميم البنية الاقتصادية واستكمال تثبيت الاستقرار الداخلي تبقى أولويات تتقدم على أي مغامرة خارجية قد تحمل مخاطر استنزاف جديدة.
أما العقبة الثانية فتتعلق بطبيعة المشهد اللبناني. فلبنان ليس مجرد ساحة أمنية يمكن إعادة تنظيمها بقرار خارجي، بل هو نظام سياسي واجتماعي شديد التعقيد تحكمه توازنات دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية المختلفة. كما أن الذاكرة الجماعية اللبنانية لا تزال تحمل إرثاً ثقيلاً من مرحلة الوجود العسكري السوري السابق، ما يجعل أي حديث عن عودة دور عسكري مباشر لسوريا داخل لبنان قضية شديدة الحساسية سياسياً وشعبياً.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الإيراني في هذه المعادلة. فحزب الله يمثل أحد أهم أركان شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية، وأي محاولة لإعادة صياغة وضعه أو تقليص دوره أو مواجهته عسكرياً لن تكون مجرد مسألة لبنانية داخلية أو سورية ثنائية، بل ستتداخل معها حسابات استراتيجية أوسع ترتبط بمستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي وبالتوازنات الإقليمية ككل.
ومن ناحية أخرى، فإن إسرائيل نفسها قد لا تنظر بإيجابية كاملة إلى مثل هذا السيناريو. فعلى الرغم من اعتبارها حزب الله أحد أبرز التهديدات الأمنية التي تواجهها، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن إسرائيل لطالما تعاملت بحذر مع أي وجود عسكري سوري فاعل داخل لبنان. ولذلك فإن التخلص من تهديد لا يعني بالضرورة القبول بظهور قوة إقليمية أخرى قد تمتلك مستقبلاً هامشاً أكبر من التأثير العسكري أو السياسي على حدودها الشمالية.
كما أن البيئة الدولية الحالية لا تبدو مهيأة لإعادة إنتاج نماذج النفوذ العسكري التقليدي التي سادت في العقود السابقة. فالقوى الكبرى أصبحت تميل بصورة متزايدة إلى إدارة الأزمات عبر الشراكات الأمنية والتنسيق غير المباشر ودعم المؤسسات المحلية بدلاً من منح تفويضات مفتوحة لقوى إقليمية للعمل خارج حدودها.
لهذا السبب يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في عودة الجيش السوري إلى لبنان أو في قيام دمشق بمهمة عسكرية مباشرة ضد حزب الله، وإنما في احتمال توسع أشكال التعاون الأمني غير المباشر بين سوريا ولبنان ضمن أطر إقليمية أوسع. وقد يشمل ذلك تعزيز أمن الحدود ومكافحة التهريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق في مواجهة التنظيمات المسلحة أو التهديدات العابرة للحدود.
في النهاية، تكشف هذه الفرضيات عن حقيقة أعمق من النقاش ذاته، وهي أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تعريف للأدوار والتحالفات ومراكز النفوذ. فمجرد طرح فكرة إسناد دور أمني أو عسكري لسوريا داخل لبنان يعكس حجم التغير الذي أصاب التصورات التقليدية حول توازنات المشرق العربي. ومع ذلك، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن الحديث عن تدخل عسكري سوري مباشر في لبنان لا يزال أقرب إلى فرضية سياسية نظرية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ، في ظل تعقيدات الواقع اللبناني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية وتعدد الأطراف المؤثرة في مستقبل المنطقة.










