في ظل التغيرات الجذرية التي شهدتها الساحة السورية منذ ديسمبر 2024، أصدر معهد دراسات الأمن القومي (INSS) دراسة استراتيجية معمقة بعنوان "سقوط نظام الأسد ومستقبل سوريا من خلال عدسة المناهج التعليمية". وتعتمد الدراسة على منهجية "التقييم الاستراتيجي المستنير بالمناهج" (CISA)، حيث تقرأ المناهج الدراسية ليس فقط كأدوات تعليمية، بل كخارطة طريق تكشف التوجهات السياسية والأيديولوجية للنظام الجديد بقيادة أحمد الشرع مقارنة بإرث عهد بشار الأسد.
المناهج كمرآة للتحولات السياسية
تؤكد الدراسة أن المناهج الدراسية في سوريا كانت دائمًا "مختبرًا للهوية الوطنية". ففي عهد الأسد، ركزت المناهج على القومية العربية ذات الطابع البعثي العلماني، مع تهميش متعمد للأقليات، بينما في "سوريا الجديدة"، تحولت المناهج نحو دمج هوية عربية سورية مع صبغة إسلامية محافظة.
يقول الباحثان إلداد باردو وكرميت فالنسي في مقدمة الدراسة:
> "تعتبر المناهج التعليمية مخططاً لفهم الأمة لنفسها. إنها ليست مجرد قائمة دروس، بل هي التي تحدد ما هي 'قصة سوريا'. قراءة هذه المناهج تسمح لنا برؤية ما وراء الأفق الاستراتيجي للدولة."
عهد الأسد: حليف لروسيا ومرتاب من إيران
تكشف الدراسة مفاجأة بشأن عهد الأسد؛ حيث تشير المناهج إلى أن التحالف مع إيران كان "تكتيكياً" وليس "عقائدياً". وتوضح الدراسة أن الكتب المدرسية في عهد الأسد تجاهلت تماماً ذكر "حزب الله"، ولم تكن تحتفي بالثورة الإيرانية، بل على العكس، كانت تظهر حذراً تجاه الطموحات الإيرانية، بينما كانت تضفي صبغة إيجابية ومثالية على روسيا.
وحول السياسة المزدوجة التي اتبعها الأسد، تقتبس الدراسة:
> "الدروس المستفادة من كتب عهد الأسد تظهر أن سياسته الحذرة خلال 'حرب السيوف الحديدية' لم تكن انتهازية فحسب، بل استندت إلى أسس أيديولوجية متجذرة في القومية العربية التي ترفض الهيمنة الفارسية."
نظام الشرع.. بين التشدد والمناورة السياسية
فيما يخص الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، تخلص الدراسة إلى أنها تسعى لبناء "دولة عربية سلطوية وقومية" ملتزمة بالإسلام المحافظ، لكنها تحاول تجنب "الفخ الجهادي" المفتوح.
وتشير الدراسة إلى أن النظام الجديد قام بعملية "جراحية" للمناهج التعليمية:
حذف الرموز:
إزالة صور عائلة الأسد بالكامل ورموز "الحركة التصحيحية".
إعادة الاعتبار للتاريخ:
تغيير مصطلح "الاحتلال العثماني" إلى "الحكم العثماني" في خطوة فُسرت كبادرة حسن نية تجاه أنقرة.
* *الرموز الوطنية:* اعتماد "علم الثورة" كرمز موحد للبلاد.
ومع ذلك، توضح الدراسة وجود صراع داخلي، حيث تقتبس:
> "المنهج الدراسي الجديد لا يعكس بالضرورة برنامجاً جهادياً ثورياً، بل يعكس إسلاماً منضبطاً تسيطر عليه الدولة. التحدي الكبير يكمن في كيفية الموازنة بين طموحات قيادة الشرع وبين التيارات المتطرفة التي تحيط به."
موقف "سوريا الجديدة" من إسرائيل
على الرغم من التغيرات، تشير الدراسة إلى استمرارية "العداء التقليدي" لإسرائيل، ولكن بنبرة مختلفة. فقد تم حذف أوصاف مثل "الكيان الصهيوني الإرهابي" في بعض المواضع، واستبدالها بـ "الكيان الصهيوني" فقط. كما تم حذف الإشارات التي كانت تصف السلام مع إسرائيل بأنه "خيار استراتيجي" (وهو شعار كان ينسب لحافظ الأسد)، مما يعكس رغبة النظام في التحلل من إرث المفاوضات السابقة.
وتضيف الدراسة حول هذا الجانب:
> "لا يوجد تدهور في الخطاب تجاه إسرائيل مقارنة بعهد الأسد، بل في بعض الأحيان هناك نبرة أكثر حيادية. ومع ذلك، لا يزال المنهج يفتقر إلى الاعتراف بالهوية التاريخية لليهود في المنطقة، ويصر على تصوير فلسطين كقضية مركزية."
>
*الخلاصة: ما الذي يجب على إسرائيل ترقبه؟*
تخلص الدراسة إلى أن "سوريا الجديدة" لا تزال في مرحلة التشكل، وأن المناهج التعليمية ستظل المؤشر الأهم لنواياها المستقبلية. وترى الدراسة أن على إسرائيل ألا تغتر بالخطابات السياسية، بل أن تراقب "ما يُعطى للطفل السوري في الصف الأول"، خاصة فيما يتعلق بـ "حقوق الأقليات، نظرة النظام للمرأة، وتأثير النفوذ التركي".
وتختم الدراسة بـتحذير استراتيجي:
> "إذا افترضنا أن ما نلاحظه في الكتب المدرسية سيستمر بشكل خطي، فإننا نتوقع أن تكون سوريا خلال عشر سنوات دولة عربية سلطوية، قومية، وطموحة، ملتزمة بالإسلام المحافظ، وتسعى لفرض مكانتها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط."










