18 يونيو 2026|القاهرة 28 °

ورطة ترامب الإيرانية وفنّ «اللا صفقات»

حتى داخل الأوساط المحافظة المؤيدة لترامب، برزت مؤشرات على وجود حالة من التردد والحذر في تقييم نتائج الأزمة.

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 14 ساعة
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
حتى داخل الأوساط المحافظة المؤيدة لترامب، برزت مؤشرات على وجود حالة من التردد والحذر في تقييم نتائج الأزمة.

حتى داخل الأوساط المحافظة المؤيدة لترامب، برزت مؤشرات على وجود حالة من التردد والحذر في تقييم نتائج الأزمة.

بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدافع، من مدينة إيفيان الفرنسية على هامش قمة مجموعة السبع، عن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها واشنطن مع طهران، مقدماً إياها بوصفها اتفاقاً «عادلاً» يوقف القتال ويعيد الاستقرار إلى الملاحة في مضيق هرمز دون تقديم مكاسب مالية ضخمة لإيران كما حدث – بحسب وصفه – خلال عهد الرئيس باراك أوباما، برزت داخل الولايات المتحدة قراءات مختلفة تماماً لهذا التطور.

ومن أبرز تلك القراءات ما طرحه المفكر والأكاديمي الأمريكي المعروف فرانسيس فوكوياما، صاحب كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، والذي اعتبر أن ما يصفه ترامب بالإنجاز التاريخي لا يمثل في الواقع سوى تراجع أمريكي عن الأهداف التي رُفعت خلال الأشهر الماضية تحت عناوين «الضغط الأقصى» و«إجبار إيران على الاستسلام».

في مقاله المعنون بسخرية لافتة «فنّ عدم إبرام الصفقات»، يستعير فوكوياما عنوان كتاب ترامب الشهير «فن الصفقة»، ليقلب المعادلة رأساً على عقب. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على كونه «صانع الصفقات العظيم» وجد نفسه – وفقاً لهذا التقييم – أمام تفاهم لا يحقق نصراً حاسماً ولا يفرض شروطاً استراتيجية جديدة، بل يعيد الأطراف عملياً إلى الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع الأزمة.

ويشير فوكوياما إلى أن الهدنة المعلنة لمدة ستين يوماً، والتي احتفى بها ترامب بوصفها إنجازاً شخصياً، لا تتجاوز في جوهرها كونها تأجيلاً للخلافات الأساسية إلى جولة مفاوضات لاحقة. فالمسائل التي شكّلت جوهر المواجهة، من البرنامج النووي الإيراني إلى نفوذ طهران الإقليمي ودورها العسكري والأمني، لم تُحسم ولم تُعالج بصورة نهائية، بل جرى ترحيلها إلى المستقبل.

ومن وجهة نظره، فإن الحرب التي سبقت التفاهم لم تحقق أياً من الأهداف التي رُوّج لها أمريكياً. فلا تغيير في بنية النظام الإيراني، ولا تفكيك للحرس الثوري، ولا تسليم لمخزون اليورانيوم المخصب، ولا التزام بوقف التخصيب، ولا تراجع عن شبكة التحالفات الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. ولذلك يطرح سؤالاً مركزياً: إذا كانت هذه الملفات قد حُسمت بالفعل كما تقول الإدارة الأمريكية، فلماذا لم تنعكس بصورة واضحة في نص التفاهم المعلن؟

ويخصص فوكوياما مساحة واسعة للمقارنة بين التفاهم الحالي والاتفاق النووي لعام 2015، ليخلص إلى نتيجة معاكسة تماماً للرواية التي تبناها ترامب منذ انسحابه من الاتفاق السابق. فالاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما كان يتضمن قيوداً محددة على مستويات تخصيب اليورانيوم، وآليات رقابة دولية واضحة، وإجراءات تفصيلية تتعلق بالمخزون النووي الإيراني، بينما لا يبدو أن التفاهم الجديد يتضمن التزامات مماثلة أو ضمانات واضحة تضمن تحقيق الأهداف التي أعلنتها واشنطن.

وبحسب هذا المنظور، فإن الدافع الرئيسي وراء قبول الإدارة الأمريكية بهذا المسار لا يرتبط بتحقيق مكاسب استراتيجية بقدر ما يرتبط باعتبارات اقتصادية وسياسية داخلية. فمخاطر ارتفاع أسعار النفط، واحتمالات عودة التضخم، والانعكاسات السلبية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، كلها عوامل دفعت البيت الأبيض إلى البحث عن مخرج سريع يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف الضغوط عن أسواق الطاقة.

ومن هنا يرى فوكوياما أن النتيجة الفعلية للأزمة تمثلت في استعادة تدفق التجارة والطاقة العالمية، وهو هدف مهم بلا شك، لكنه لا يغيّر حقيقة أن واشنطن لم تحقق معظم الأهداف الكبرى التي رفعتها في بداية المواجهة، بينما تمكنت طهران من الحفاظ على أوراق قوتها الأساسية إلى حد كبير.

ولا يقتصر هذا التقييم على فوكوياما وحده. فقد شهدت الصحافة الأمريكية خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من المقالات والتعليقات التي شككت في جدوى التفاهم الجديد. وذهبت بعض التحليلات إلى وصفه بأنه تراجع عن الشعارات التي رفعتها الإدارة الأمريكية خلال مرحلة التصعيد، معتبرة أن إيران حصلت على ما كانت تسعى إليه أساساً، أي وقف الضغوط العسكرية المباشرة وإعادة الاستقرار إلى الوضع الإقليمي، من دون تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة في المقابل.

كما لاحظ عدد من المعلقين أن الرئيس الذي وعد بإجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي انتهى إلى صيغة تفاوضية لا تختلف كثيراً، في جوهرها، عن مقاربة الاحتواء والتفاوض التي كان يهاجمها بشدة عندما كان خارج البيت الأبيض.

حتى داخل الأوساط المحافظة المؤيدة لترامب، برزت مؤشرات على وجود حالة من التردد والحذر في تقييم نتائج الأزمة. فبعض الأصوات التي دعمت نهج التصعيد العسكري تجد نفسها اليوم أمام مخرجات يصعب التوفيق بينها وبين خطاب «النصر الكامل» الذي رافق إطلاق عملية «الغضب الملحمي».

وفي هذا السياق، بدت مواقف شخصيات بارزة مثل السيناتور ليندسي غراهام لافتة للنظر. فعلى الرغم من إشادته بجهود فريق التفاوض الأمريكي، فقد حرص على التذكير بأن أي تفاهم يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ينبغي أن يخضع لمراجعة الكونغرس وتصويته، مختتماً موقفه بعبارة تحمل قدراً كبيراً من الدلالة السياسية: «الوقت كفيل بإظهار الحقيقة».

وبين رواية البيت الأبيض التي تتحدث عن نجاح دبلوماسي أنهى أخطر مراحل التصعيد، ورواية المنتقدين الذين يرون في التفاهم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الأزمة بدلاً من حلها، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأشهر المقبلة ستكشف عن اتفاق تاريخي يعيد رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، أم عن محطة جديدة في سلسلة طويلة من الصراعات المؤجلة التي لم تُحسم أسبابها العميقة بعد.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

ورطة ترامب الإيرانية وفنّ «اللا صفقات» - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°