لم تعد حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 مجرد مواجهة عسكرية أو جولة جديدة من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل تحولت إلى لحظة تاريخية مفصلية تكشف تحولات عميقة في طبيعة الصراع ذاته، وفي بنية النظام الدولي، وفي مستقبل القضية الفلسطينية. فما يجري في غزة تجاوز منذ وقت مبكر حدود الحرب التقليدية ليصبح مشروعاً مركباً لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وأمنياً وجغرافياً وديمغرافياً واقتصادياً، وصولاً إلى إعادة تعريف الفلسطيني نفسه ودوره ومكانته وحقوقه الوطنية.
لقد تحولت غزة إلى مساحة مكشوفة لاختبار نموذج جديد في إدارة الصراعات الممتدة وفق لشريعة الغاب ، تختلط فيه القوة العسكرية المفرطة بسياسات وجرائم الحصار والتجويع والإفقار والتدمير المنهجي للبنية المدنية، وتندمج الأدوات الإنسانية بالأهداف الأمنية والعسكرية، بحيث لا يعود الهدف الأساسي إنهاء الصراع أو حسمه، بل إعادة هندسته وإدارته بصورة دائمة.
ومن هنا يمكن فهم ما تشهده غزة باعتباره انتقالاً من سياسة "إدارة الصراع" التي حكمت المقاربة الإسرائيلية لعقود، إلى سياسة أكثر تعقيداً وخطورة تتمثل في "إدارة الوجود الفلسطيني" و"هندسة اللا حل".
في هذا النموذج الجديد لا تسعى إسرائيل إلى تحقيق نصر نهائي أو الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وإنما إلى إنتاج واقع دائم من السيطرة والابادة والاستنزاف منخفض الكلفة نسبياً، يمنع تشكل أي سيادة فلسطينية حقيقية، ويبقي الفلسطينيين داخل دائرة مفتوحة من الإنهاك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني. وهكذا يصبح الفلسطيني كياناً يُدار أمنياً وإنسانياً ومعيشياً، لا شعباً يمتلك حق تقرير المصير ويسعى إلى التحرر الوطني.
وفي الوقت ذاته، كشفت حرب الإبادة أزمة بنيوية عميقة في النظام الدولي المعاصر. فقد بدا واضحاً أن المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية، عاجزة عن فرض الحد الأدنى من الحماية للمدنيين أو وقف الجرائم واسعة النطاق المرتكبة بحق السكان المدنيين. ولم يعد الأمر مجرد قصور في الأدوات أو ضعف في الإرادة السياسية، بل بات يعكس تراجعاً خطيراً لمكانة القانون الدولي أمام منطق القوة والمصالح الجيوسياسية وازدواجية المعايير. وبذلك تحولت غزة إلى مرآة تعكس انكشاف النظام الدولي وعجزه عن حماية المبادئ التي تأسس عليها بعد الحرب العالمية الثانية، كما أصبحت نموذجاً صارخاً لزمن دولي جديد ترنكب فيه الجرائم الدولية وتُدار فيه الأزمات بدل حلها، وتُحتوى الكوارث بدل معالجة أسبابها.
ضمن هذا السياق تتبلور بوضوح معالم ما يمكن تسميته بـ"هندسة اللا حل"، وهي مقاربة لا تستهدف إنهاء الصراع بقدر ما تهدف إلى إدارته وإبقائه في حالة تعليق دائم. ويتجسد ذلك من خلال خلق طبقات متراكبة من التهدئة المؤقتة، والمفاوضات الجزئية، وإعادة التفاوض على ما سبق الاتفاق عليه، وربط إعادة الإعمار بالشروط الأمنية ونزع السلاح، واستخدام المساعدات الإنسانية كأدوات للضبط والتحكم السياسي والاجتماعي، بحيث يتحول الزمن نفسه إلى أداة للسيطرة. فلا الحرب تنتهي، ولا السلام يتحقق، ولا السيادة تتشكل، بل يبقى الفلسطيني أسيراً لحالة مستدامة من الانتظار والاستنزاف.
ولهذا لم تعد المفاوضات الجارية عبر الوسطاء الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، مساراً لإنهاء الحرب أو الوصول إلى تسوية سياسية عادلة، بل أصبحت جزءاً من آليات إدارة الأزمة نفسها. فالمطلوب ليس إنهاء أسباب الصراع، بل إدارة تداعياته عبر ترتيبات مؤقتة تتعلق بوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وتنظيم الانسحابات المحدودة او التعافي والاعمار ، وإعادة إنتاج التفاوض على القضايا ذاتها بصورة دورية، دون معالجة جوهر القضية المتمثل في الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
وفي قلب هذه المقاربة تتشكل معادلة سياسية جديدة قوامها "الأمن مقابل الحياة" و"الإعمار مقابل نزع السلاح والسيطرة". فالفلسطيني يُطلب منه تقديم الالتزامات الأمنية أولاً، بينما تبقى الالتزامات السياسية والإنسانية الإسرائيلية مؤجلة أو غير مضمونة. ومن هنا يبرز ملف نزع سلاح المقاومة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، حيث يجري تقديمه باعتباره مدخلاً للاستقرار وإعادة الإعمار، في حين يتم تجاهل السياق البنيوي الذي أوجد المقاومة أصلاً والمتمثل في استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية. وهنا يجري تحويل النتيجة إلى سبب، والأداة إلى أصل المشكلة، بينما يبقى جوهر الصراع خارج نطاق المعالجة. كما يتم تجاهل الالتزامات المترتبة على إسرائيل بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها وقف العدوان، وإنهاء الحصار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والانسحاب من قطاع غزة، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار.
وعلى الأرض، لا تقتصر حرب الإبادة على القتل المباشر والتدمير العسكري، بل تتجاوز ذلك إلى نمط مركب من الإبادة الجماعية والإبادة البطيئة معاً. فإلى جانب الاستهداف واسع النطاق للأحياء السكنية ومراكز الإيواء وخيام النازحين والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية المدنية، تتواصل سياسات التجويع والحرمان ومنع وصول الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والوقود، بما يجعل الموت نتيجة لبنية متكاملة من الحرمان الممنهج تستهدف شروط الحياة ذاتها. وهكذا يصبح الجوع سلاحاً، والمرض أداة حرب، والحرمان من العلاج شكلاً من أشكال القتل غير المباشر، في واحدة من أكثر صور العقاب الجماعي قسوة في التاريخ المعاصر.
ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، حيث تتقاطع أنماط التجويع والتدمير المنهجي والعقوبات الجماعية والتهجير القسري واستهداف المدنيين مع أركان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بل ومع المؤشرات القانونية لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي موازاة ذلك، تجري عملية واسعة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية داخل قطاع غزة. فالتدمير المنهجي للأحياء السكنية، وإنشاء المحاور العسكرية، وتوسيع المناطق العازلة لتشمل ما يزيد على ستين في المائة من مساحة القطاع، وفرض موجات متكررة من النزوح القسري، كلها تشير إلى أن الجغرافيا نفسها أصبحت أداة للحرب والإخضاع. والنتيجة ليست فقط تدمير المكان، بل إعادة تشكيله باعتباره فضاءً أمنياً مجزأً يخضع للمراقبة والسيطرة الدائمة، يفقد فيه الفلسطيني قدرته على الحركة والاستقرار وممارسة حياته الطبيعية، ويتحول فيه المكان من حيز للعيش والسيادة إلى حيز للبقاء المؤقت والنجاة اليومية.
ويترافق ذلك مع إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني. فالحصار لم يعد مجرد وسيلة ضغط، بل أصبح أداة لإعادة هندسة المجتمع نفسه من خلال تفكيك الاقتصاد المحلي، وتدمير مقومات الإنتاج، وإضعاف شبكات الحماية والتضامن الاجتماعي، وتحويل قطاعات واسعة من السكان إلى معتمدين على المساعدات الإنسانية. وبذلك يجري إنتاج مجتمع مرهق ومنهك، يعيش على الحد الأدنى من البقاء، ويُستنزف يومياً في البحث عن الغذاء والمأوى والأمان، بما يقوض قدرته على الاستقلال الذاتي ويجعله أكثر عرضة لأشكال الضبط والسيطرة المختلفة.
وفي إطار هذه الرؤية تبرز مشاريع "اليوم التالي" التي طُرحت تحت عناوين مختلفة الي ان استقرت علي ما يعرف ب"مجلس السلام" الذي يراسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولجنة ادارة غزة والذي ضم عدد من الوسطاء والمبعوثين الدوليين السابقين مثل توني بلير ونيكولا ميلادينوف الذين قدما مقاربات متعددة القاسم المشترك بينها يتمثل في التعامل مع غزة باعتبارها أزمة إنسانية وأمنية تحتاج إلى إدارة تقنية، لا قضية سياسية تتطلب إنهاء الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ولذلك جرى التركيز على ترتيبات نزع السلاح والإدارة والحكم والتمويل والإغاثة وإعادة الإعمار، بينما ظل السؤال المتعلق بالسيادة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال مؤجلاً أو غائباً.
غير أن التطورات اللاحقة كشفت عن تعثر واضح لهذه المقاربات وفشلها في التحول إلى واقع عملي. فقد دخل مشروع "مجلس السلام" في حالة من الجمود والتجميد السياسي نتيجة غياب التوافقات اللازمة وافتقاره إلى الحاضنة السياسية الفلسطينية والإقليمية المطلوبة، كما واجهت لجنة إدارة غزة أو اللجنة الإدارية المقترحة عراقيل جوهرية حالت دون مباشرتها مهامها، سواء من خلال منع أعضائها من دخول قطاع غزة أو عدم توفير التمويل والموارد التشغيلية اللازمة لتمكينها من أداء وظائفها، الأمر الذي أدى عملياً إلى إفشالها قبل أن تبدأ عملها الفعلي.
ويتزامن ذلك مع استمرار السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقويض المنظومة الإنسانية الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، من خلال استهداف وحظر عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وتقويض دورها التاريخي في تقديم الخدمات والحماية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب فرض قيود مشددة على عمل المؤسسات الدولية والوكالات الإنسانية، وإعاقة وصول فرق الإغاثة، وتقليص كميات المساعدات الإنسانية الداخلة إلى القطاع إلى مستويات لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يواجهون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.
وفي الوقت ذاته، تواصل قوات الاحتلال انتهاكاتها وخروقاتها المتكررة لاتفاقات وقف إطلاق النار والتفاهمات الإنسانية، من خلال عمليات القصف والاستهداف المباشر للمدنيين ومناطق النزوح ومراكز توزيع المساعدات. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الخروقات أسفرت حتى الآن عن استشهاد ما لا يقل عن 936 فلسطينياً وإصابة ما يقارب 3000 آخرين، بما يؤكد أن الاحتلال ما زال يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره أداة تكتيكية لإدارة الصراع وإعادة تموضعه، وليس مدخلاً لإنهاء الحرب أو معالجة جذورها السياسية والقانونية والإنسانية.
وتعكس هذه التطورات مجتمعة فشل المقاربات الدولية الراهنة في الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، كما تكشف استمرار السعي إلى إعادة إنتاج غزة باعتبارها ملفاً أمنياً وإنسانياً خاضعاً للوصاية والإدارة الخارجية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها جزءاً أصيلاً من قضية شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وتجسيد دولته المستقلة كاملة السيادة.
وبهذا المعنى، لا تبدو ترتيبات "اليوم التالي" منفصلة عن مشروع "هندسة اللا حل"، بل تشكل أحد تجلياته الرئيسية، حيث يُعاد إنتاج الأزمة بأدوات سياسية وإنسانية وإدارية مختلفة، بينما تبقى جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والحرمان من الحقوق الوطنية خارج دائرة المعالجة الحقيقية.
أما الخطر الأشد تعقيداً فيكمن في احتمالات تفكيك البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني عبر استهداف المؤسسات المدنية والشرطية، وخلق فراغ إداري وأمني، وتشجيع اقتصاد الحرب، ودعم مجموعات محلية عميلة مرتبطة بالاحتلال ، وإنتاج شبكات نفوذ مرتبطة بالإغاثة أو الفوضى أو المصالح الخاصة. ومن شأن هذه البيئة أن تفتح الباب أمام نشوء حالة من "الفوضى المنظمة" يمكن توظيفها لإعادة إنتاج السيطرة بوسائل غير مباشرة أو لتبرير ترتيبات أمنية أكثر صرامة. ولذلك تصبح حماية السلم الأهلي والحفاظ على النسيج الاجتماعي الفلسطيني مهمة وطنية لا تقل أهمية عن مواجهة الاحتلال نفسه.
كما لا يمكن تجاهل المخاطر المتزايدة المرتبطة بالتهجير القسري المباشر وغير المباشر. فالتهجير هنا لا يُطرح دائماً كقرار سياسي معلن، بل كنتيجة تراكمية لتدمير شروط الحياة، واستحالة الإعمار، وانعدام الأمن، وغياب الخدمات الأساسية، بما يدفع السكان إلى البحث عن النجاة خارج وطنهم. وهكذا تتحول "الهجرة الطوعية" إلى توصيف مضلل لواقع قسري تصنعه الحرب والحصار والتدمير الممنهج.
وعلى المستوى الإنساني الأعمق، لا تستهدف الحرب الجسد الفلسطيني فقط، بل تستهدف الوعي والذاكرة والمعنى. إنها حرب على قدرة الإنسان الفلسطيني على الشعور بالأمان، وعلى التخطيط للمستقبل، وعلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي. لقد خسرت غزة أكثر من المباني والبنية التحتية؛ خسرت الطمأنينة واليقين والإحساس الطبيعي بالحياة، وأصبح الخوف والجوع والنزوح جزءاً من التجربة اليومية لملايين البشر. إنها حرب على الإنسان بوصفه كائناً قادراً على الحلم والأمل وإنتاج المعنى.
ورغم فداحة الكارثة، فقد كشفت حرب الإبادة والعدوان الإسرائيلي علي فلسطين دول المنطقة أيضاً عن أزمات عميقة داخل إسرائيل نفسها، سواء على مستوى مفهوم الأمن أو التماسك المجتمعي أو طبيعة النظام السياسي، كما كشفت حدود الهيمنة الأمريكية واتساع الفجوة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والممارسات الفعلية على الأرض. وفي المقابل، أعادت غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي من خلال الحركات الطلابية، وحملات التضامن الدولية، والنشاط الرقمي، وحركات المقاطعة وفرض العقوبات، والمسارات القانونية والدبلوماسية المتصاعدة.
غير أن هذا الحضور العالمي المتجدد يطرح سؤالاً فلسطينياً جوهرياً: هل يمتلك الفلسطينيون الأدوات السياسية والتنظيمية القادرة على تحويل هذا التعاطف العالمي إلى مشروع تحرري مستدام؟ فالحرب أعادت أيضاً إبراز الأزمة البنيوية للمشروع الوطني الفلسطيني، بما في ذلك استمرار الانقسام السياسي، وتآكل الشرعيات، وضعف التمثيل الوطني، وغياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة.
ومن هنا لم تعد الأولوية الوطنية الفلسطينية تقتصر على وقف الحرب وإدارة تداعياتها، بل أصبحت تتمثل في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، عبر إنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية، وتوحيد المؤسسات الوطنية، وتشكيل قيادة وطنية موحدة، وتعزيز السلم الأهلي، وصياغة رؤية شاملة للتعافي والإعمار والحكم الرشيد والمقاومة السياسية والقانونية والشعبية.
كما تفرض المرحلة الراهنة تطوير أدوات النضال الوطني لتشمل بصورة متكاملة المسار القانوني الدولي، والعدالة الدولية، والمقاومة الشعبية، والفعل الرقمي، والحرب القانونية والإعلامية، والدبلوماسية متعددة المستويات، وبناء التحالفات الحقوقية والإنسانية العالمية.
إن جوهر المعركة الدائرة اليوم لا يتعلق فقط بوقف حرب الإبادة الجماعية أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يتعلق بتعريف فلسطين نفسها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي يتمثل في ما إذا كانت غزة ستتحول إلى مساحة مُدارة بلا سيادة، ومجتمع يعتمد على الإغاثة والوصاية الدولية، وملف أمني–إنساني دائم، أم أنها ستبقى جزءاً من مشروع تحرري وطني قائم على الحرية والعدالة والسيادة وتقرير المصير.
إن أخطر ما يجري اليوم ليس فقط حجم الدمار أو أعداد الضحايا، بل محاولة إعادة تعريف الفلسطيني من شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال إلى مجرد كتلة سكانية تُدار أمنياً وإنسانياً. ولذلك فإن المعركة الحقيقية باتت معركة على المعنى والهوية والحقوق والوجود، وعلى القدرة على منع تحويل فلسطين من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة إنسانية طويل الأمد.
فالحقائق الكبرى ما تزال ثابتة رغم كل محاولات التغيير: لا استقرار بلا عدالة، ولا إعمار تحت الحصار، ولا سلام دون إنهاء الاحتلال، ولا سيادة دون وحدة وطنية، ولا مستقبل لغزة خارج المشروع الوطني الفلسطيني الجامع.
وغزة، رغم الإبادة والاستنزاف وإعادة الهندسة القسرية، ما تزال تمثل عنواناً للصمود الفلسطيني. وقد تُحاصر الشعوب وتُستنزف وتُدفع إلى حافة الانهيار، لكنها لا تُهزم ما دامت قادرة على إعادة إنتاج إرادة الحياة والحرية والكرامة والمعنى. وبين مشروع الإخضاع ومشروع التحرر، وبين هندسة "اللا حل" وإرادة البقاء الوطني، يبقى مستقبل فلسطين مرهوناً بقدرة الفلسطينيين على تحويل المأساة إلى قوة تاريخية جامعة، واستعادة المبادرة السياسية، وإعادة بناء مشروعهم الوطني على أسس الوحدة والديمقراطية والعدالة والحرية، باعتبار ذلك الطريق الوحيد لإفشال مشاريع الهيمنة وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب يناضل من أجل التحرر والعودة وتقرير المصير والعيش بكرامة .










