في البدء، كانت الطعنات تُغمد في خاصرة طهران قبل أن تصل القذائف إلى أحياء غزة لم تهدأ آلة التشكيك طوال اشتعال الحرب العدوانية، ولم تنطفئ نيران الفتنة التي سعى صانعوها إلى تحويل الصراع من مواجهةٍ مع العدو الصهيوني إلى ثأرٍ مذهبي بين أبناء الأمة الواحدة كلُّ صاروخٍ سقط على جباليا كان يقابله سهمٌ مسمومٌ يُطلق في عواصم العرب "إيران تبيع القضية"، "إيران تفاوض على حساب الدم الفلسطيني"، "الصفوية تتآمر على العرب".
ثم جاء فجر الخامس عشر من يونيو عام ألفين وستة وعشرين. جاء ذلك الفجر حاملاً معه مذكرة تفاهم إسلام آباد، ليزلزل اليقينيات ويسقط الأقنعة.
والذين سيقرؤون هذه المذكرة بعيون الحقد الطائفي سيرون فيها ما يشتهون سيبحثون عن غزة بين السطور، فإذا لم يجدوها صاحوا "خذلان"، وأعادوا إنتاج الأسطوانة المشروخة عن "الصفقة الخلفية" و"بيع الدم" لكن هذه القراءة السطحية، أيها السادة، هي بذاتها الخديعةُ التي وقع فيها المخدوعون. وهذه المقالة هي الرد هي القراءة الممنوعة التي تكشف، بالأدلة والنصوص والقانون، أن إسقاط اسم غزة عن العمد لم يكن خذلاناً ولا نسياناً، بل كان أنجح مناورة استراتيجية في تاريخ هذا الصراع الطويل.
تشريح النص: لبنان يُذكر وغزة تُطمر
تأملوا معي النصَّ كما ورد:
"تعلن أمريكا وإيران، إلى جانب حلفائهما في الحرب الحالية... إنهاءً فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان... وتتعهدان من الآن فصاعداً بعدم شن أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته."
لبنان ذُكر مرتين. غزة لم تُذكر. لماذا؟
الإجابة تكمن في طبيعة الحربين. لبنان كان ساحة حرب وكالة بين دولتين. حزب الله حليف استراتيجي لإيران، والحرب عليه حربٌ بين عاصمتين تستطيع طهران أن تفاوض باسمه، وتستطيع واشنطن أن تقدّم ضمانات بشأنه. لبنان نموذج "الحرب التي تنتهي بالتوقيع".
أما غزة، فلسطين، فليست حرب وكالة. غزة احتلال، ومقاومة، وشعب، وقضية لا تستطيع طهران أن توقّع باسم غزة، لأن من يفعل ذلك يوقّع على تصفية القضية الفلسطينية ذاتها.
ولكن، هنا تكمن العبقرية: غزة حاضرة في "جميع الجبهات" قيل للعالم إن غزة مشمولة بوقف الحرب وللفلسطينيين لم يُفرض شيء، لأن اسمهم لم يُكتب، ولم يُطلب توقيعهم المعادلة المحرَّمة تحققت بهدوء غزة توقفت عن النزيف، لكنها لم تتنازل عن ذرة من حقها.
حيث ظن المشككون أن عدم الذكر يعني التخلي، كان عدم الذكر هو الحماية.
خريطة المخدوعين: طبقات الخديعة الثلاث
الخديعة الكبرى ليست خديعة طرفٍ واحدٍ لآخر إنها طبقات ثلاث، تتكشف الواحدة تلو الأخرى كأوراق البصل، وفي كل طبقة دموع المخدوعين.
المخدوع الأول: إسرائيل. دخلت الحربَ وهي تحلم باقتلاع المقاومة من جذورها، فخرجت باتفاق يبقيها واقفةً على قدميها، والاحتلالُ مكشوفٌ عارياً أمام العالم قبلت إسرائيل بوقف الحرب على "جميع الجبهات" ظناً منها أن غزة ستُروَّض، لتكتشف متأخرة أن الصمت عن غزة يعني بقاء المقاومة في منطقة شرعية دولية رمادية، لا مهزومة ولا مستسلمة ولا منزوعة السلاح. دخلت إسرائيل الحربَ لتكتب شهادة وفاة المقاومة، فكتبت بيدها شهادة بقائها.
المخدوع الثاني: صناع الفتنة. أولئك الذين راهنوا على أن طهران ستبيع غزة في سوق المساومات الإقليمية، وعلى أن "المحور" سينفضّ، وعلى أن الطائفية ستنتصر على استراتيجية وحدة الساحات راهنوا على أن الصمت خذلان، فجاءتهم المذكرة لتقول لهم الصمت لم يكن تخلياً، بل كان حماية من التصفية الصمت لم يكن بيعاً للقضية، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن القضية الفلسطينية ليست سلعةً في سوق المساومات غزة لم تُبع، لأن اسمها لم يُكتب في صك البيع.
غير المخدوعين: أمريكا وإيران لم تخدع إحداهما الأخرى. الطرفان وصلا إلى تفاهم ضمني عميق إدارة الصراع لا حلّه أمريكا تعرف أنها لا تستطيع أن تقدّم لإسرائيل نصراً سياسياً على غزة، لأنها فشلت في تقديم نصر عسكري وإيران تعرف أنها لا تستطيع التوقيع باسم الفلسطينيين دون أن تسلبهم شرعيتهم فكان التفاهم المقدَّر لنسقط الاسم، ولندّعِ أن "جميع الجبهات" تغطيه، وليتعامل كل طرف مع جمهوره بطريقته هذه ليست خديعة متبادلة، بل إدراك متبادل لحدود القوة.
الصوت الفلسطيني: غزة لم تكن غافلة
في قلب هذه اللعبة الأممية المتقنة، وقف الفلسطيني كلاعب لا كضحية. غزة التي ظنها البعض نائمةً على سرير الخذلان، كانت عيناها مفتوحتين على كل شاردة وواردة تلقت الفصائل الاتفاق ببراغماتية المحارب الواعي لا بسذاجة المغفّل.
موقفها يتلخص في ثلاث كلمات كالرصاص: القبول، الرفض، الاحتفاظ.
قبلت بوقف إطلاق النار لأنه يحقن الدم ويمنح القطاع المنهك فرصةً لالتقاط الأنفاس ورفضت أي تفويض لأي طرف إقليمي بالتحدث باسم الحقوق الفلسطينية لم تعترض غزة على عدم ذكرها، بل اعتبرته اعترافاً ضمنياً باستقلالية قرارها الوطني واحتفظت بحق المقاومة، لأن الاحتلال مستمر، ولا اتفاق بين عواصم بعيدة يمكنه أن يسلب شعباً محتلاً حق تقرير مصيره.
نعم، ثمة أصوات تساءلت بحرقة: "لماذا لم نُذكر؟" هذا الاعتراض العاطفي مفهوم، وهو دليل حياة وليس دليل موت لكن القيادات التي تدير المعركة من تحت الركام فهمت أن التسمية كانت ستعني التقييد، وأن الصمت منحهم هامشاً أوسع للحركة لقد منحتهم إيران، بإسقاط الاسم عن عمد، ما هو أثمن من الذكر: حماية بلا وصاية.
وهنا يسقط الرهان الثاني حيث ظن المشككون أن غزة ستشعر بالخذلان، كانت غزة الشريكَ الواعي في استراتيجية الصمت.
ماذا ستفعل المقاومة بعد توقف الحرب؟
يتحرك السؤال الآن في العقول: ماذا بعد؟ كيف ستتصرف المقاومة وقد توقفت المدافع؟
السيناريو المرجح ثلاثي الأبعاد، كأنه حجر كريم يُنظر إليه من ثلاث زوايا:
البعد الأول: التزام عام بوقف إطلاق النار. استئناف القتال الشامل ليس في مصلحة غزة المنهكة التي تحتاج إلى دفن موتاها وترميم بيوتها.
البعد الثاني: إعادة بناء القدرات تحت شعار "المقاومة حق". لن تعلن غزة نزع سلاحها، ولن تسمح لأحد أن ينزعه عنها ستبني بصمت، كما بنت من قبل.
البعد الثالث: ردّ محسوب على أي خروقات إسرائيلية دون العودة إلى حرب شاملة غزة ترى الاتفاق هدنةً طويلة الأمد لا اتفاق سلام وهي تعرف، بخبرة العقود، كيف تتعامل مع الهدن.
السند القانوني: لماذا الصمت شرعي؟
الصمت الاستراتيجي عن غزة ليس مجرد مناورة سياسية بارعة، بل له جذور راسخة في تربة القانون الدولي وهنا مربط الفرس، وهنا تسقط كل الاتهامات.
المادة الأولى من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، في فقرتها الرابعة، تنص بكل وضوح على أن "النزاعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية، في ممارسة حق الشعوب في تقرير المصير" تدخل في نطاق النزاعات المسلحة الدولية.
هذا يعني، ببساطة مذهلة، أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في غزة ليست "عملاً عدائياً" بالمعنى الذي قصدته المذكرة إنها حق أصيل، كحق التنفس.
وهنا جوهر التمييز الذي غاب عن المشككين "الأعمال العدائية" في لغة المذكرة تشير إلى العمليات العسكرية المتبادلة في إطار الحرب العدوانية المشتعلة، وهذه تتوقف. أما "أعمال المقاومة" في لغة القانون الدولي فتشير إلى أفعال شعب واقع تحت نير الاحتلال لإنهاء هذا الاحتلال، وهذه لا تتوقف بمذكرة تفاهم بين دولتين. وقد أكدت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كالقرار 37/43، "شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال والتحرر الإقليمي".
لو ذُكرت غزة في المذكرة، لاضطرت الأطراف إلى تحديد ما الذي يتوقف فيها تحديداً دقيقاً. هل تتوقف "الأعمال العدائية" فقط، أم "أعمال المقاومة" أيضاً؟ أي محاولة لتقييد المقاومة كانت ستصطدم بجدار القانون الدولي السميك وبالإرادة الفلسطينية التي لا تلين بإسقاط الاسم، تركت المذكرةُ غزةَ في مساحتها القانونية الرمادية المحمية حرب توقفت، واحتلال لم ينتهِ، ومقاومة لم تُجرَّم هذا فراغ قانوني متعمد، صُنع بمشرط الجرّاح لا بفأس الحطّاب، يصب في صف شعب لم يزل تحت الاحتلال.
وهنا يسقط الرهان الثالث: حيث ظن المشككون أن إيران تخلت عن حق المقاومة، كانت إيران هي من حمته بصمت استراتيجي يستند إلى صلب القانون الدولي.
سيناريوهات الانهيار: ماذا لو انفرط العقد؟
التحليل الذي لا يختبر فرضياته في ظل أسوأ الاحتمالات تحليل ناقص، كمن يبني بيتاً على الرمل ولا يسأل عن الريح لنختبر إذن "حماية الصمت" في أربعة سيناريوهات، لنرى إن كان سيصمد أم سينهار.
السيناريو الأول: إسرائيل تخرق الاتفاق وتجتاح غزة مجدداً إسرائيل التي تجتاح غزة تجتاح "جميع الجبهات" التي أوقفتها المذكرة هذا خرق واضح كالشمس أمريكا، المتعهدة بعدم دعم "أي عمل عدائي"، تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ إما التخلي عن إسرائيل لوجستياً، وإما دعمها وخرق الاتفاق مع إيران، بما يعيد الحرب الإقليمية الشاملة بنيران أوسع الصمت لم يمنع الاجتياح مادياً، لكنه جعله مكلفاً استراتيجياً إلى درجة قد تردع صاحبه قبل أن يقدم عليه وإن وقع الاجتياح رغم ذلك، تعود إيران إلى الحرب وهي في موقع المدافع عن اتفاق موقّع، لا البادئ بالعدوان.
السيناريو الثاني: انقسام الفصائل الفلسطينية حول الالتزام فصيل صغير يرفض وقف إطلاق النار ويطلق الصواريخ الاتفاق لم يلزم الفصائل الفلسطينية مباشرة، لكنه ألزم إيران بضبط حلفائها طهران ستضغط بكل ثقلها على الفصائل غير الملتزمة، لأن خرق وقف إطلاق النار يمنح إسرائيل ذريعةً من ذهب الفصيل المخالف سيُتهم بأنه يخدم أجندة إسرائيل بفتح ثغرة في الاتفاق الصمت يخلق ضغطاً على الفلسطينيين للالتزام الذاتي، لا لإملاء خارجي، وهذا الالتزام الذاتي أقوى وأبقى من ألف اتفاق مفروض.
السيناريو الثالث: أمريكا تعيد تعريف "الأعمال العدائية". بعد هجوم صاروخي محدود من غزة، تعلن واشنطن أن إيران خرقت التعهد إيران سترد بهدوء الواثق "الأعمال العدائية" في سياق المذكرة تعني الحرب العدوانية الشاملة، لا أفعال المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والقانون الدولي، كما فصلنا، يقف في صف هذا التفسير الصمت منح إيران غطاءً قانونياً لرفض أي تفسير أمريكي موسع إنها ثغرة محمية لا فجوة عشوائية، صُممت لكي تُقرأ هكذا.
السيناريو الرابع: الاحتلال يخنق غزة بالحصار لا بالحربهذا هو أضعف مواطن الصمت، ويجب الاعتراف به بنزاهة المحلل لا بخطاب التمجيد المذكرة لم تتطرق للحصار، ولم تذكر غزة لتفرض شروطاً إنسانية لكن الصمت ليس عجزاً كاملاً غزة، التي لم توقّع على شيء، تستطيع أن ترد على الحصار بوسائلها مسيرات العودة، التصعيد الشعبي، العمليات المحدودة التي لا ترقى إلى حرب لكنها تفرض كلفة على المحاصر وإيران تستطيع دعم غزة إنسانياً وسياسياً دون خرق التعهد، لأن الدعم الإنساني ليس "عملاً عدائياً" الصمت الاستراتيجي يحمي من الحرب، لكنه لا يحمي من الحصار هذا اعتراف ضروري لنزاهة التحليل، وهو في ذاته نقطة قوة أن نرى الحدود فلا نبالغ، وأن نعرف الثغرات فلا نتجاهلها.
"تتعهدان" الكلمة التي قيدت الوحش
وردت مفردة "تتعهدان" مرة واحدة في النص، لكنها الكلمة الأثقل في الميزان تعهدت أمريكا وإيران معاً، في وثيقة علنية، بعدم شن أي عمل عدائي، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها.
هذا التعهد يحمي غزة دون أن يسميها، بثلاث طرق متداخلة:
الأولى: القيد على أمريكا. أي عدوان إسرائيلي كبير على غزة يحتاج إلى دعم أمريكي لوجستي وسياسي بعد هذا التعهد، أي دعم أمريكي لعدوان على غزة هو خرق صريح للاتفاق أمريكا أصبحت مكبلة، وإسرائيل بلا مظلة.
الثانية: تجريم التهديد "الامتناع عن التهديد باستخدام القوة" يعني أن إسرائيل لم تعد تستطيع أن تلوح باجتياح غزة كلما أرادت ابتزاز الفلسطينيين سياسياً التهديد نفسه أصبح جريمة بموجب روح الاتفاق ونصه.
الثالثة: الثغرة المحفوظة إيران تعهدت بوقف "الأعمال العدائية" من حلفائها لكن هل مقاومة الاحتلال "عمل عدائي"؟ في القانون الدولي، مقاومة الاحتلال حق مشروع أصيل الاتفاق أنهى الحرب، لكنه لم يُنهِ الاحتلال، وبالتالي لم يُنهِ حق المقاومة هذه الثغرة ليست خطأً صياغي، بل هي متعمدة كتوقيع رسام على لوحته.
وهنا يسقط الرهان الرابع والأخير: حيث ظن المشككون أن التعهد الإيراني يعني تجريد المقاومة من سلاحها، كان التعهد مقصوراً على "الأعمال العدائية" تاركاً حق المقاومة خارج النص ومحمياً بالقانون.
غزة بعد الصمت الإعمار والحصار
خرجت غزة من الحرب وقد حققت ما يشبه المعجزة: لم تُهزم. هذا وحده رصيد سياسي هائل، لا يملكه إلا من صمد في وجه آلة الحرب الإسرائيلية المدعومة من أعتى إمبراطورية في التاريخ. فكيف توظف غزة هذا الرصيد؟
سياسياً: ترفض أي تسوية لا تنهي الاحتلال. غزة التي لم تذكرها المذكرة تستطيع أن تقول للعالم بصوت جهوري: "نحن لم نوقّع على شيء. الاحتلال هو المشكلة. تعالوا نحل المشكلة من جذورها". وتطالب برفع الحصار كشرط لأي تهدئة طويلة الأمد. وتعيد تعريف علاقتها بالسلطة الفلسطينية من موقع الشريك في المقاومة لا التابع المهمَّش.
اقتصادياً وإنسانياً: إعادة الإعمار ستكون ميداناً للصراع الخفي. المانحون التقليديون سيشترطون نزع سلاح المقاومة ثمناً لأموالهم. محور إيران قد يقدم دعماً دون شروط سياسية لكن بقدرات محدودة قياساً بحجم الدمار. الحل الوسط المرجح: إعمار عبر وكالات أممية بضمانات دولية، مع إبقاء ملف السلاح خارج طاولة النقاش تماماً.
الحصار: هو المعركة القادمة، والصمت عنها هو الثغرة الأعمق. الاحتلال سيحاول أن يقول: "أوقفنا الحرب، فلنستمر في الحصار". غزة سترد: "لا حرب بلا حصار". وهنا سيكون الطابع غير الموقّع لغزة ورقة ضغط هائلة. فالقطاع الذي لم يلتزم باتفاق يستطيع أن يتصرف خارج قيوده. التهديد الضمني يظل قائماً: إذا لم يُرفع الحصار، فقد تعود العمليات المحدودة التي لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنها تجعل الاحتلال مكلفاً. هذا ليس تهديداً فارغاً، بل منطق واقع فرضته الجغرافيا والتاريخ.
خاتمة: غزة.. من صمت النص إلى انفجار الحق
مذكرة إسلام آباد ليست مجرد وثيقة سياسية، إنها لحظة كشف جيوسياسي نادر، كمشرط الجرّاح الذي يشق الجسد ليكشف ما خفي. لحظة انكشف فيها أن الكلمات في الدبلوماسية لا تُقاس بعددها، بل باتجاه مفعولها. وأن الصمت، حين يكون استراتيجياً، لا يعني الغياب بل حضوراً من نوع آخر. حضوراً لا يُمنح للخصم فرصة ابتزازه، ولا يُسلم للصديق فرصة الوصاية عليه.
وهي أيضاً، وبالقدر نفسه، شهادة وفاة لخطاب الفتنة. لخطاب راهن على أن إيران ستتخلى عن غزة، وعلى أن "وحدة الساحات" وهم، وعلى أن الطائفية ستنتصر على الاستراتيجية. لقد سقط هذا الخطاب، لا بالشعارات الرنانة، بل بوثيقة موقعة بين طهران وواشنطن، في عاصمة محايدة، بحضور العالم، قالت في باطنها ما لم تقله في ظاهرها: إن غزة محمية، وإن القضية ليست للبيع، وإن الرهان على الفتنة رهان خاسر.
في المحصلة، إسرائيل هي المخدوعة الكبرى. دخلت الحرب لتقتلع المقاومة، فخرجت باتفاق يبقيها واقفة والاحتلال مكشوحاً عارياً أمام أعين العالم. والمشككون خُدعوا حين ظنوا أن عدم ذكر غزة يعني التخلي عنها. أما أمريكا وإيران فلم تخدع إحداهما الأخرى، بل تعمدتا صياغة نص يحفظ لكل منهما ماء وجهها، ويدير الصراع لا يحله.
في قلب هذه اللعبة، وقف الفلسطيني لا كضحية مسحوقة، بل كلاعب أجاد قراءة النص بعينين مفتوحتين على مصراعيهما. أخذ ما يوقف النزيف، وترك ما يمكن أن يقيد معصمه. قبل بوقف الحرب دون أن يوقّع على وقف الحق. هذه هي المعادلة التي طالما حلمت بها حركات التحرر في العالم: حماية دون وصاية، وهدنة دون اعتراف بالاحتلال.
ولم يكن الصمت فراغاً عشوائياً، بل فراغاً محمياً بنصوص القانون الدولي. فمقاومة الاحتلال حق أصيل، كحق الحياة. وأي نص كان سيسمي غزة كان سيضطر إلى تعريف ما يتوقف فيها تعريفاً دقيقاً لا لبس فيه. بإسقاط الاسم، تركت المذكرة غزة في مساحتها الرمادية المحمية: حرب توقفت، واحتلال لم ينتهِ، ومقاومة لم تُجرَّم.
لقد اختبرنا هذا الصمت في أسوأ الاحتمالات: اجتياح إسرائيلي جديد، انقسام فلسطيني، حصار خانق. وفي كل سيناريو، لم يكن الصمت عاجزاً عن توفير شيء من الحماية، لكنه لم يكن مطلق القدرة. وهذا بالذات هو ما يجعل التحليل نزيهاً: الصمت يحمي من الحرب، لكنه لا يحمي من الحصار. يحمي من التصفية السياسية، لكنه لا يرفع الاحتلال.
لهذا، فإن غزة التي خرجت من الحرب منتصرة بصمودها، مدججة بحقها، ومحمية بصمت النص، تواجه الآن معركتين اثنتين: معركة إعادة الإعمار حيث سيحاول المانحون ابتزازها سياسياً، ومعركة رفع الحصار حيث سيحاول الاحتلال أن يقول: أوقفنا الحرب، فلتستمر عقوبة الحصار. وهاتان المعركتان ستُخاضان بالوسائل نفسها التي خيضت بها الحرب: الصبر، والصمود، والاستراتيجية التي تقرأ النص كما تُقرأ الصمت.
في فجر الخامس عشر من يونيو، لم تكن غزة اسماً على ورق. كانت غزة في كل كلمة لم تُكتب، وفي كل حرف أُسقط عن عمد، وفي كل سطر تُرك بياضه ليقول ما لا تستطيع السطور أن تقوله.
غزة لم تُذكر لأنها أكبر من أن تُختصر في بند. غزة لم تُذكر لأنها ليست سلعة في صفقة. غزة لم تُذكر لأن الحق لا يحتاج إلى اعتراف كي يوجد.
وغزة ستبقى. باسمها الذي لم يُكتب، وبصوتها الذي لا يُسكت. وطهران التي راهن المشككون على خذلانها، كتبت بحذف الاسم ما لم تستطع كل بيانات التنديد أن تكتبه: انتصاراً للقضية، لا تصفية لها.










